109 - أبو حفص عمر بو حديبة القاضي الترغودي :
عالم عامل ، له فضل ونبل ، وله تقى ، وخيرية واحتياط فيما يتقرب ، وولي القضاء جبرا ، من غير إشعار له بذلك . وحدثني من يوثق به ، وعمدة في النّقل قال :
كان في حلقته بجامع الزيتونة بالقيروان يدرّس ، وكان قاضي الوقت مات ، وتسببوا في ولاية غيره ، ووجهوا وثيقة فيه ، فلمّا قرئت بين يدي المنعم المرحوم حمودة باشا ، بن علي باشا ، وكان عنده كاتب مكين من أهل القيروان ، فاستشاره في هذا الغير وهو المشهود فيه فقال : لا وإنما يصلح للقضاء الشيخ عمر بو حديبة ، ولكن أهل القيروان لا يرضون به . فقال له : لماذا ؟ فقال له : لأنه يسكن في الربض ، وسلفه ليسوا من أهل التقدم . فقال الباشا : هو الذي أوليه . فكتب ظهيره ، ووجهه لكبير أهل الشّورى بالوقت وهو الشيخ أبو عبد اللّه محمد الطوير ، فلمّا وصل إليه ، وجده يدرّس في الجامع المذكور . فقال له : أقبل ما جاءك ، وأعطاه الظهير . فلما رأى ذلك تفجّع وصار في حال كبير ، ودعى على الشيخ بما يكره ، خرج منه مخرج الغالب فقال لله الشيخ : واللّه ما تسببت فيك أنا ولا أحد من الفقهاء ، وإنما الأمر كذا ، وكذا ، وقرر له ما كان ، فقبله عن إكراه ، ولما تصدّى للحكم أول ما بدأ به جيرانه أهل ربض بكارة سجنهم فقيل له وقتئذ : لم سجنتهم ؟ فقال : لأنهم لا يورثون البنت ، ثم إنه سار سيرة حسنة . اتفق على عدالته أهل القيروان بوقته . توفي في العشرة الثانية من الثالثة بعد الألف رحمه اللّه وإني أستغرب من الشيخ الحربي كيف لم يترجم له مع شهرته بين جميع الناس بوقته .
110 - أبو عبد اللّه محمد ( بالفتح ) بن عمر بن إبراهيم الزّبرقاني الهواري :
قال الحربي : هو جدّي للأمّ ، كان رحمه اللّه تعالى رجلا فقيها عدلا موثّقا فرضيّا « 1 » ، وكتاباته تشهد له بذلك خيّرا ، ورعا ، صالحا ، وكوشف على موته كما سيأتي ، وكان منتصبا للإشهاد بين الناس ، فإذا كتب رسما « 2 » وأبطأ صاحبه ، ولم يأته ، يجعله في قلنسوته ويذهب به لصاحبه لحانوته ، أو إلى داره ، فإذا رآه صاحب الرّسم يخجل ويقول له : يا سيدي لم أتعبت نفسك لو تركته حتى أتيتك ؟ فيقول له :
ومن أين لي حتى أنّي أعيش إلى الليل ؟ خذ رسمك عندك ، فالموت تأتي فجأة ،
هامش
( 1 ) نسبة لعلم الفرائض .
( 2 ) رسما : أي وثيقة .