100 - أبو علي حسين بودبوس :
قال الحربي : أخبرني من نثق به قال : فبينما الشيخ ذات يوم كان ماشيا ببعض أزقّة القيروان ، إذ عرضه تخاخلي « 1 » وهو ينادي ليشتري النّخّالة فضربه الشيخ بدبّوسه « 2 » ، وكانت الدبوسة لا تفارقه ، فمات من تلك الضّربة ، فأسرع الناس ليوثقوه ، فهرب منهم ودخل لبيت نار بكوشة « 3 » قد أوقدت نارا ، وبقي بها ولم يحترق هو ، ولا شيء من ثيابه ، وقال للناس : قتلت يهوديّا لا مسلما ، فكشفوا على رأسه فوجدوا عليه شاشية « 4 » سوداء ، فتركوه .
قال : وأخبرني من نثق به ، أن رجلا كان ملازما للشيخ ، وكثيرا ما يطلب منه ويقول : يا سيدي أعطيني السرّ ، حتى أقلقه يوما وأزعجه ، فقال له الشيخ بقلق :
أعطيك السّرّ فصاح الرجل من حينه صيحة شديدة ، ومزّق ثيابه وصار باهتا « 5 » نحو السماء وهو يدور عريانا « 6 » ، بأزقة المدينة ، وبقي هكذا بقيّة يومه ، فجاء من تشفّع فيه عند الشيخ فرده إلى عقله ، فسئل عن حاله ، وما وجد فقال : لما قال لي الشيخ :
أعطيك السّرّ رأيت عمودا من نار نزل من السماء على ظهري وصار « 7 » يحرق في ولا أدري غير ذلك .
قلت : وما نقل عنه بالتّواتر ، أن امرأة ذهب ولدها إلى الحجّ وجاء العيد ، وهيأ جيرانها الحلوات ، وأعطوها شيئا منه فتفكرت ولدها وبكت وهي من جيران الشيخ ، فلما سمع بها أرسل إليها وقال لها : اعمل الحلاوات « 8 » وأنا أوصلها إليه فعملت له المقروض « 9 » وأتته فقال لها : ارجع لدارك ، وإن شاء اللّه يحصل إليه ،
هامش
( 1 ) نخاخلي : يشتري النّخالة من الناس ليقدمها للبهائم ، أو يجمعها من الناس ثم يبيعها لأصحاب البهائم . والنخاخلي يقود حمارا ، أو يدفع عربة ذات عجلتين . يجوب الشوارع رافعا بذلك صوته ( النخالة ) ( آمن عند النّخّالة ) .
( 2 ) الدّبّوس : حديدة في رأسها كورة حديدية .
( 3 ) الكوشة : حفرة توقد فيها نار ، ثم ترمى فيها أحجار جيريّة لتتحول إلى مادة قابلة للطلاء لونها أبيض .
( 4 ) الشاشية : قبعة سوداء دائرية صغيرة ، تغطي سطح الرأس العلوي فقط يستعملها اليهود تعبير على يهوديتهم .
( 5 ) باهتا : على غير حقيقته .
( 6 ) عريانا : كاشفا عورته . أي خالعا ملابسه .
( 7 ) في الأصل : وصا . والصواب ما أثبتناه .
( 8 ) الحلاوات : بمعنى الحلويات .
( 9 ) المقروض ، وينطق أيضا بحرف الطاء ، وهو نوع من الحلوى على شكل مستطيل .