ذكر بقية أخباره
لما مات شيخنا الشبيبي ، أخذ الشيخ الجديدي في أهبة السّفر للمشرق برسم الحج ، فكلم الشيخ عبيد الغرياني في أن يتقدم على الزاوية المذكورة فأبى ، فحدثني الشيخ عبيد المذكور ، قال : لما هربت من التقديم عليها غاية الهروب ، قال لي : يا عبيد ، إنا ما نقدمك على عمارتها ، وإنما نقدمك على حلّها وغلقها ، فإن جاءك أحد فتحتها له ، وإلّا غلقتها وأنا إن كانت نيتي فيها صالحة فحالها يزيد على ما هي عليه الآن ، وإن كانت نيتي إنما هو لنأكل بها [ فأنا مشى حلي بها ] « 1 » ومشيت عنها .
فسهل علي ذلك ، وقبلت التقديم ، ففيها اليوم مائة وخمسون إنسانا صغارا ، وكبارا بين طلبة يتعلمون العلم ، وقرّاء يقرءون القرآن وهم الأكثر ، ومائة نفس ، عيالات الرجال الذين يخدمون الزاوية دخلا وخرجا ، وجاءني طبّاخ الزاوية في أول الليل وقال لي : ما بقي في الزاوية شيء لا من طعام ، ولا من إدام ، ولا من حطب ولا من غير ذلك ؛ عدا ما يأكلونه غدا . قال : فتشوّشت من ذلك ، وكان السلطان أبو فارس عبد العزيز بن أبي العباس أحمد بالجريد ، فوصل من الغد القيروان ، ونزل بها ، فاحتجت لأن أخرج أن أسلم عليه ، فلما وصلت إليه ، وإذا برجل يقول :
الشعير الذي بعث المرابط عامر الزعبي ، أبت الخيل أن تأكله لقدمه ، فتكلم الحاسدون وقالوا : هلّا « 2 » بعث شعيرا طيّبا أبيض ؟ فقلت له : سيدي عامر الزعبي ، نفعكم اللّه ببركته ، ما يعرف أبيض من غيره ، وإنما هو أمر بشعير ، وما قصد ما بعث لكم بعينه ، وهذا الشعير يصلح للفقراء يعملونه بسيسة . فقال : أعطوا ذلك لسيدي عبيد ، فوضعوا لي ستة عشر قفيزا ، وقلت للسلطان : قربتم من تونس ، فأهل المحلة ينادون الديار ، يعني بذلك إشارة لدخولهم لتونس ، فقال : نعم ينادون بذلك ، وأمر أن يعطى لي ما في خزانته من سميد وزبيب وجلوز ، وغير ذلك ؛ فوضعوا لي ما فيها مع بعض ما عند خواصّ القوّاد . وسمع فقراء القيروان بذلك ، فأتوني ، وأعطيت لكل واحد منهم ويبة سميد فأقل . ورفعت لأهل الزاوية من ذلك ما أكلوا منه شهرا كاملا ، كلّ ذلك ببركة صاحبها .
هامش
( 1 ) سقط من : ت .
( 2 ) ت ، ط : هل لا .