فقال لي : نخرج خارج البلد ، فخرجنا من باب الجلادين حتى وصلنا المصلى ، فجلسنا وأعطيناها بظهرنا ، واستقبلنا القبلة ، فقال لي : نحب فتوح السلامة ، فقلت له : الضيافة على الوارد ؟ ! فقال لي : والجالس من أين يجئه ؟ فقلت : نعطي درهما جديدا ؟ فقال : لا ، فقلت : خريربة ؟ فقال : لا ، فما زال يدرجني حتى قلت : نصف دينار ، وإن كان تريد نزيد . فقال : لا ، هذا متاعنا « 1 » فلا نزيد شيئا .
قال : وتكلمت مع والدتي ، فحلفت أني لا آكل طعاما عندكم ، فخرجت وما دخلت لها دارا ، ولحقني غيار كبير « 2 » ، فبقيت ثلاثة أيام بلياليها ما أكلت شيئا عدا زبيبات يسيرات وجدتهن في مسجد ، وجعت جوعا شديدا ، وكان زمن رمضان ، وما عرّفت أحدا من أصحابي بذلك ، فجاءني عبيد الغرياني ، وقال لي : الشيخ الجديدي بعثني وراءك ، وكان حينئذ بزاوية العواني ، فوصلت إليه ، فقدم لي فطيرتين وشهدا فأكلت ذلك ، والتفتّ إلى رجل من أصحابي مشى معي وصاح عليه وقال له : تأكلون وتتركون أصحابكم « 3 » فاعتذر بأن ما عنده علم بحاله ، وبعث معي عبيدا لوالدتي يطيب قلبها .
وقال الشيخ الفقيه العدل أبو عبد اللّه محمد بن أبي زيد صاحب قصر المنستير : على ما بلغني من قضاة بلده عن الشيخ الجديدي ، قال : خرجت للقاء المشايخ في البلدان في ابتداء أمري ، وكنت شاورت والدتي فأبت علي ، فأول شيخ لقيت قال لي : ارجع إلي أمّك ، قبل أن أعلمه بعدم رضاها ، وكذلك الثاني والثالث ، وما رجعت إليها حتى كلّمني الحجر والمدر بذلك ، يشير لكثرة أمر الشيوخ له بذلك .
وحدثني من نثق به ، عن الشيخ صولة الليلي قال : مشيت للسلطان أبي العباس أحمد ، فأخذت عادتي ، وأعطاني عوايد العرب نفرقها على يدي ، فصحّ لي [ مال كثير ] « 4 » ، فأخذت مائة دينار ذهبا ، وعملتها في خريطة في جيبي ، وأضمرت في خاطري أنها للشيخ الجديدي ، وما عرّفت أحدا بذلك ، فلما وصلنا وإذا بالنّجع قرب القيروان ، قلت : أمشي وأتقرب إليها « 5 » لعلي أرى بعض المرابطين أبعثها معه له ،
هامش
( 1 ) أمتاعنا كلمة عامية ، بمعنى : لنا .
( 2 ) ت : كثير .
( 3 ) ط : أصاحبكم ، وفي ت : صحبكم بصيغة الإفراد .
( 4 ) ت : مالا كثيرا ، وفي ط : مال كثر .
( 5 ) ت : لها .