وقد كان شريكي في دولتي في رسالة ابن أبي زيد أبو محرز محفوظ الأبي فمرض ، وكان يسكن بزاوية الشيخ الجديدي ، فعرّفني أنه زاره ولم يكن دخل « 1 » الزاوية فيما مضى ، وأن الشيخ المذكور صاحب الزاوية فرح بقدومه فرحا شديدا .
وألّف رحمه اللّه تعالى شرحا على الرسالة ، جامعا حسنا نحو سفرين في القالب الصغير ، وكرّاسة سمّاها شروط التّكليف ، وفيها فرائض الصلاة ، وسننها ، وفضائلها وغير ذلك من ضروريات فرض العين ؛ فينتفع المرابطون بها إذ هي تخرجهم من قيد الجهالة ، وله تقاييد في النحو مفيدة ، وله وضع حسن على الحبيسية في حرف نافع وغير ذلك .
ذكر وفاته رحمه اللّه تعالى وما يتعلق بذلك
حدثني الحاج مبارك بن سالم الهيشري قال : حضرت ميعاده يوما فجلست بإزاء السارية الملتصقة له عن يساره ، ودنوت منه حتى كادت حوائجي تقع على حوائجه . فتكلم في وعظه وصاح كعادته ثم أدخل رأسه تحته ، فسمعته يقول بكلام خفي لم يسمعه غيري : اللهم اقبضني إليك . وكرر ذلك ثلاثا ، فما رجع للميعاد بعد ، ومرض من الفور ومات .
وكانت وفاته رحمه اللّه يوم السبت في الثاني عشر من صفر سنة 782 ه ، ودفن صبيحة يوم الأحد من الغد . وما رأيت أحدا يبكى عليه بعد موته مثلما بكى الخلق عليه خاصتهم ، وعامتهم ، وينتحبون « 2 » في الأزقة وعلى باب داره ، وذلك لحسن أخلاقه ، ووعظه ، ونفعه لهم ، ولو بالدعاء « 3 » .
وكان القائد أبو عبد اللّه محمد بن زغمار بيده سيف مسلول « 4 » ، وهو خلف نعشه في بعض خدامه ، وكان مهابا ، ولولا هو ، لكسّروا نعشه من ازدحامهم عليه ، وكان القائد يبكي ويدعو على من قطع بينه وبينه ، وذلك جرت العادة بأن القائد لا يخالف ما يقول الشيخ ، وذلك لما كبر حاله . فلما وصل هذا القائد قال له بعض شياطين الإنس : إن قبلت شفاعة الشبيبي تكن محجوره « 5 » فما كأنك قائد ، فقبل
هامش
( 1 ) ت : داخل .
( 2 ) ت : فينتحبون .
( 3 ) في ت ، زيادة : « فقط ، أو بوضع شهادته في أمر حفيف » .
( 4 ) ت : مسلوت .
( 5 ) ت ، ط : محجورة .