فاشتاق الفقيه المذكور أهله ، ورأى الشيخ أعطى لغلامه ستّ دواب محمّلة بها ، والعادة أن الحمار يرفع ثلاثة أرباع فقال في نفسه : أنا أتبع الغلام حتى إذا وصل إلى القيروان ، نأخذ بعضها . فلما وصل أخذ ثلاثة بهائم وقال له : امش بالباقي لدار الشيخ ، فأبى وقال : إنما أمرني بجميع وصولها إلى أهلها . وألحّ معه في ذلك فضربه وساق جميعها ، وفرغها في موضعه .
ومشى الغلام للشيخ فعرّفه بذلك ، ورجع الفقيه بالبهائم فارغة قال : فأتيت الشيخ وأنا مستحشم فيما فعلت ، فأقبل علي قبولا تاما وقال : يا فقيه ، أبا محمد ، أنت أحوج مني بذلك « 1 » : وما أنا نسعى إلا لكم ، والقطانية تحتاج إلى التزويج « 2 » .
وأنا « 3 » وهبت لك الغلام ، فخذ بيده وبعه ، وأنفق ثمنه عليها ، فقلت له : قبلت ، وأنا أعدته إليك لحاجتك له .
ذكر محنته التي جرت عليه في ابتداء أمره رضي اللّه تعالى عنه « 4 »
وسببها : أن رجلا أدخل من الباب متاعه سرقة خوفا من أن يطلب بالقائد ، فظهر عليه الشرطي الواقف في الباب ، فخاف الرجل أن يضرب بالسوط ، فهرب لداخل البلد فأتبعه الشرطي حتى دخل الرجل دار الشيخ أبي محمد ، فاتبعه الشرطي بجرأته « 5 » حتى دخل وراءه خلف نسائه ، وهن وراء المنسج ، فعرّف الشيخ بذلك ، وهو في ميعاده ، وعظّم عليه بعض تلامذته هذا الواقع حتى أزعجه ، فكتب لقائد البلد عنتر المديوني ، وهو يعرّفه بالواقع ، وحلف له في كتابه بالمشي إلى مكة إن لم تضرب الشرطي سياطا ، وإلا نرحل من القيروان . فلما وصله لم يعمل بما كتب له .
وكتب للسلطان أبي إسحاق إبراهيم بما معناه : هذا الشبيبي يعارضني في أمور المخزن ، وبسط الكتاب بذلك ، وعمل كتاب الشيخ له في وسط كتابه ، وبعث به إليه ، فجاء الأمر بخروج الشيخ من القيروان ، فلم يقدر أحد يأتي إليه رسولا عن القائد بالتعريف بهذا الأمر « 6 » إلا أخو عنتر ، وكان ممن يحضر ميعاده ، فأتى إليه
هامش
( 1 ) ت : بالذي أخذت .
( 2 ) ت : الجواز .
( 3 ) ت : فأنا .
( 4 ) صيغة الترضي سقطت من : ت .
( 5 ) ط : بجرأته . التصويب من : ت .
( 6 ) سقط من : ت .