آخذ « 1 » منك فلا أفعل ، ولو كان عندي مال أعنتك به ، ولو كانت فيّ شجاعة ، لقاتلت معك المحاربين ، فأنا لا أعطيك مالا ، ولا أقاتل معك بنفسي ، وآخذ منك ، وبركة هذا الشيخ لا أفعل . فلما خرج السلطان قال : هذا الشيخ ما رأيت مثله ، كنت جاهلا به . فأخذ أبو القاسم ثعلب يشكر ، وهو من فرسان العرب المعدودة وخيارها ، مع كونه تائبا من قديم الزمان ، وكذلك فعل غيره من شيوخ العرب ، ولما وصل بلاد الجريد ، وأخذ قفصة ، وتوزر ، وجد كتبه عند كل شيخ من شيوخ البلاد وهو يعظم « 2 » ، ويعلمهم بأن طاعته واجبة ، فزاد فيه محبة وقال : هذا رجل أفعاله للّه تعالى ، فكان كل ما يقع بالقيروان من أمر مخزني ، ويكتب فيه ، يأتي جواب السلطان بما يطلبه منه .
وكان [ الشيخ ] « 3 » رحمه اللّه تعالى عنده أربع نسوة ، وجارية ولدت منه ، وكان حاله أولا يمشي بفتوحات من البادية وغيرهم ؛ ثم صبت المطر في القيروان أياما متوالية ، حتى تهدّم كثير من دورها ، فصارت تلك السّنة تسمى بسنة النوة . فلما صلّى الصبح يوما بمسجد دار الشيخ أبي محمد ، انتقل منه لكونه قطر ، وأتى للبيت [ الذي فيه ] « 4 » قبر الشيخ ، وصار يجلس عن يمين الدّاخل ومعه طالبان يجوّدان عليه ، فلما فرغا قال لهما : أتسمعان شيئا ؟ قالا : لا . قال : إني سمعت صوتا من ذلك المكان يقول لي : احرث ، يفتح اللّه عليك . فأشار لمكان خارج المقصورة من جهة الجوف .
حدثني بهذا الحديث « 5 » أحدهما . فحرث في تلك السنة فأصاب « 6 » زرعا كثيرا ، ووجد عليه من الدين مقدار ثلاثمائة وخمسين دينارا ذهبا ، من ذلك خمسة وثلاثون دينارا من الصفة لعامر بن عبيد العباسي شهر الخشني ، فجمع له ذلك من ثمن الزيت الذي يشعل به [ المصباح ] « 7 » لزوجاته . فبدأ به وأعطاه وأدّى « 8 » أكثر دينه الباقي من حرثه ذلك العام لغلاء الطعام ، وما زال يحرث إلى أن مات وترك بحيرة البطيخ ، باعوا منها بعد موته بمائة وستين دينارا ذهبا ، وأدوا « 9 » ذلك في دين عليه ، وجعل اللّه فيها بركة .
هامش
( 1 ) ت : نأخذ .
( 2 ) ط : يعضهم ، وفي ت : يعظمهم .
( 3 ) سقط من : ت .
( 4 ) ت ، ط : التي فيها .
( 5 ) في ت : عنه .
( 6 ) ت ، ط : فصاب .
( 7 ) زيادة من : ت .
( 8 ) ت : وودى . ط : وودا .
( 9 ) ت : ودوا . ط : وودوا .