ولمّا وصل لبلده ، وجد شيخه العواني قد مات ، وجلس للتدريس أبو الحسن علي بن حسن الريابي ، يعرف بابن أبي قيراط ، في مسجد الحضريين ، فحضرت عنده يومئذ ، فعظمني ، فاستحييت من حضوري عنده . فمشيت لتونس فقرأت بها على من تقدم [ ذكره ] « 1 » .
قلت : والشيخ أبو الحسن هذا كان فقيها ، حاذقا ، ثقة ، كنت أقرأ عليه ابن الحاجب في توابع الأنكحة فيفسّر لي تفسيرا حسنا ، لا يغلط في شيء من غير أن لا يطالع شرحه بحال ، ولم يكن عنده .
وأما شيخنا أبو محمد الشبيبي فكان عالما ، عاملا ، ورعا ، واعظا ، فصيحا ، ثبتا ، ثقة « 2 » ، سخيا ، على قدر حاله ، له قبول حسن ، ووجه حسن . لا يمشي في سوق ولا غيره ، وإنما هو من مسجده لداره ، إلّا لأمر مهمّ ، كزيارة من يمرض من أصحابه ، أو صلاة على جنازة استئذن عليها ، أو لصلاة الجمعة .
فكان من يلقاه في غالب الحال يبوس « 3 » يده ، ويتبرك به ، ويقبل هو رأسه ويسأله عن حاله وحال والده ، فكان محبوبا في الناس .
ودرس العلم فيما ذكر لي بعض أصحابنا نحو خمسة وثلاثين عاما ، وقرأت عليه نحو ربع رسالة أبي محمد بن أبي زيد ، وجملة من ابن الحاجب مقدار ما قرأت في شتوتي « 4 » ، وبعض أخرى « 5 » .
ومات رحمه اللّه تعالى .
قال شيخنا البرزلي : كان يجلس في أيام قراءتنا عليه في مسجد المعلّق من قرب طلوع الشمس إلى أذان الظهر ، نقرأ عليه في الزمن المذكور عشرين دولة .
قلت : وصفة ميعاده في زماننا أنّ الشّيخ كان يصلّي الصّبح في مسجد دار الشيخ ابن أبي زيد . وينوب عنه في مسجده في هذا الوقت تلميذه الفقيه أبو عبد اللّه محمد الظريسي « 6 » ، ويبكر بذلك ، فإذا صلّى أتى جماعة من أصحابنا المجتهدين في تلاوة
هامش
( 1 ) سقط من : ت .
( 2 ) سقط من : ت .
( 3 ) يبوس : كلمة عامية بمعنى يقبّل .
( 4 ) المراد به فصل الشتاء .
( 5 ) كلمة غير تامة لعله يريد بها « مصادر أخرى » .
( 6 ) ت : الضريس .