تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
آخر ، وهو كونه طفلا صغيرا ، يقرأ في الظلام كل ليلة ، ولم تتركني نشعل المصباح فيما مضى . فأمرها بشعله فيما يأتي . هذا الذي سمعته . وقالت لي والدتي : لما خرج يصلّي العشاء الآخرة حينئذ ، وخرجت وراءه لأغلق الباب ، قال لي : أوصيك بالصّبر ، فإنه يتغرب عنك غربة طويلة لقراءة العلم بتونس ، ويتولى قضاء بلاد متعددة . فكانت تقول لي ذلك مذ كنت صغيرا وأنا أبعد ذلك ، لأنّ والدي وجدّي وقرابتنا لم يكونوا بهذه « 1 » الطريقة ، فكان كما قال رحمه اللّه : قرأت بتونس أربعة عشر عاما ، وتغرّبت عنها في البلاد للقضاء ، فوليت قضاء جربة ، ثم قابس ، ثم سوسة ، ثم باجّة ، وماتت ، فكنت لا آتيها إلا زائرا ، وإذا انصرفت من بلد حتى أبعث « 2 » لأخرى ، ثم بعد موتها قدمت في بلد الأربص ثم تبسّة « 3 » ولا أدري ما وراء ذلك . وكان كثير الإحسان ، وكثير ما يخص بزكاته طلبة العلم ، لما يعلم من فقرهم وصلاحهم وعدم سؤالهم ، كالشيخ ابن قائد ، فحدثني من نثق به من أصحابنا « 4 » : أنه أعطاه يوما قفيزا شعيرا ، وكان الغلاء ، وقال له : أوصله للدّار الفلانية ، ولا تعرف صاحبها أنه من عندي ، وإن لم تجده فلا تعرف أهل داره [ أنه من عندي ] « 5 » وفرّغ الطّعام وجيب « 6 » التّليّس ، ففعلت ذلك وقلت له : تركت بجوارك من هو ضعيف ، وتبعث إلى رجل عليه لباس حسن ! فقال لي : هو من جملة الفقراء « 7 » ، ولا يملك غير ما رأيت ، يتجمل به لحضور الميعاد . وعرفت أنه هو وأهل داره في غاية ما يكون من الفاقة ، وهو لا يتسوّل فهو أولى من الذي يتسول . وأعطاني يوما دراهم وأنا صغير السن ، وقال لي : امش للفقيه ساسي إمام جامع الزيتونة بالربض ، واجذبه بطرف ردائه من خلفه ، فإذا التفت إليك فأعطيه ذلك ، ثم « 8 » اهرب عنه حتى لا يعرفك ففعلت ذلك ، وقصد به التخفي في صدقته ، وما عرفت ذلك حتى كبرت .
هامش
( 1 ) ت : بأهل هذه . ( 2 ) ط : نبعث . ( 3 ) تبسّة . ( 4 ) ت : أصحابه . ( 5 ) سقط من : ت . ( 6 ) كلمة عامية ، بمعنى ائت . ( 7 ) ت : حملة القرآن . ( 8 ) ت : و .