وصلّى يوما معنا الصبح خلف الفقيه سعيد الطاعي بمسجد الدبّاغ ، فلما أن سمعه يقول :
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 88 ) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ
( 89 ) [ الواقعة :
88 ، 89 ] زعق زعقة كادت نفسه أن تخرج ، ودهش جميع من كان في الصلاة .
وحفظ عليه القرآن جماعة من أصحابنا ، يكتبون ألواحهم في المكتب عند غيره ، ويقرءون أحزابهم عليه ، وكان لا زوجة له ، ومن جملتهم الفقيه أبو عبد اللّه محمد بن عبيد الهيبي ، وأبو عبد اللّه محمد بن زروق المذكور ، وأصله من العرب ، والفقيه أبو العباس أحمد المحرسي ، ومن جملتهم أنا ومن يكون فقيرا منهم يحسن إليه ببعض ماله .
ولما وصلت سورة طه ، وأنا شاق أمرني أن نبدأ نعرض عليه ما نقرأ فأبيت ، وقلت : حتى نصل سورة البقرة كغيري ، فأعطاني درهما وقال لي : إذا حفظت هذه السورة أعطيك درهما آخر ، وبقي إذا فرغت سورتي يعطيني درهما حتى حفظت سورا ترك عني ذلك ، فحفظت من ذلك إلى سورة البقرة ، ولا علم لمؤدبي بذلك ، وهو الشيخ الفقيه أبو محمد عبد السلام يعرف بالصفاقسي ، فلما أكملت سورة البقرة أمرني بمعاودتها جريا على العادة ، وإني نصير من الآن نعرض أحزابي عليه فاجتاز عمي رحمه اللّه فنظر لوحي وكأنه فطن ، إذ لم يفعل ذلك فيما مضى ، فوجد فيه أول سورة البقرة ، فعرف المؤدب بحفظي لما ذكر ، فتعجب « 1 » المؤدّب من ذلك وفرح به ، وكتبت في لوحي بعد محوه أول سورة الأنبياء ، ولما كثرت أحزابي كنت أعرض عليه خمسة أحزاب بعد الغد ، أو خمسة أحزاب بعد العشاء إلى أذان العشاء الآخرة في الظلام ، فضربني ليلة من الليالي بكفّه على إحدى خدّي لأني توقفت في كلمة بعد كلمة ، ولا نعتقد أنه ضربني غير تلك الليلة ، فبقيت أقرأ وأنا أبكي فوقفت والدتي رحمها اللّه على باب البيت من خارج ، وبكت لبكائي ، فلما سمع بكاءها أسكتني وقال : يا عائشة أنت التي عملت له هذا ، أخرجتيه معك للزرع فبقي عن أسواره غائبا على أزيد من شهر ، وطلبت منك أن لا تفعلي ذلك فأبيت عليّ وقلت :
لا أقدر على فراقه ، ولولا هذا ما يخصه شيء ، فقالت : يا سيدي وبكائي عليه لوجه
هامش
( 1 ) ت : فعجب .