قاضيا بالقيروان قبله ، ثم تولّى بعده الفقيه أبو عبد اللّه محمد يعرف بالتمام ، ثم تولى بعده الفقيه أبو عبد اللّه محمد « 1 » الفاسي هذا ، فوقعت نفرة بسبب ذلك .
فحدثني الأمين أبو العباس أحمد بن مالوش قال : كان من جملة أتباع الفقيه ابن فندار عزوز البراق الصائغ ، فأتيت أنا وهو بفضة للطبع بطابع الفقهاء ، فنظر فضتي وكنت يومئذ صائغا . وقال « 2 » : هذه طيبة ، ونظر فضة عزوز المذكور ، فقال :
هذه غير طيبة ، فقال عزوز : بل طيبة ، وألحّ في ذلك . فقال : اجلس وأمر من يحميها ، فظهرت أنها غير طيبة ، فقلت في نفسي : يضربه ضربا يكون موته منه ، لأنه من خواص فلان ، وهذه عثرة بينة ، تكون سببا مع علمي ، أنه قوي في الأدب ، فأخذ يقرأ قوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
( 41 ) [ النازعات : 40 و 41 ] ، ثم أخذ يكرر ذلك ، ثم قال له : انصرف ، ولا تعد لهذا ، ولم يعترض « 3 » لأدبه .
ومشى مرة لتونس في أيام قراءتي « 4 » بها فأدركه المبيت في بلد الحمّامات « 5 » ، بلدة لطيفة على شاطئ البحر ، وما زال عدو اللّه « 6 » ينزل بها ، وبقربها جبل يمتنع « 7 » أهلها به ، فنزل عن حصانه ، ودخل المسجد ، ووجد القاضي والشهود فيه ، فعرض عليه الشهود الضيافة فقال لهم القاضي أبو عبد اللّه محمد بن معطي ، وكان مثل والده ، تولى قضاء بلاد متعددة : أنا أولى به ، فهو ضيفي .
فاتكل العدول عليه ، ولم ير القاضي بعد « 8 » ، وبقي حصانه على باب المسجد ، وبقي هو بلا عشاء كحصانه ، وأهل القيروان ما ألفوا بحرا لبعدهم عنه « 9 » ، فخاف أن أبروطة من عدو الدين تنزل بالبلد ، ويأخذونه أسيرا ، فبقي ساهرا الليل كله ، وأكثر من قراءة القرآن ، وهو خائف ثم « 10 » سافر من الغد إلى تونس ، وبينهما ثمانية وأربعون ميلا « 11 » ، فما وصل هو وحصانه إلا على تعب من العياء والجوع . [ وقد ]
هامش
( 1 ) سقط من : ت .
( 2 ) ت : فقال .
( 3 ) ت : يتعرض .
( 4 ) ت : قراءته .
( 5 ) مدينة حديثة بناها المسلمون وأحاطوها بأسوار متينة تقع على بعد خمسين ميلا من تونس .
وصف إفريقيا ص : 83 .
( 6 ) ت : عدو الدين .
( 7 ) ت : يتمنع .
( 8 ) ت : من بعد .
( 9 ) ت ، ط : عند ، والصواب ما أثبتناه .
( 10 ) ت : و .
( 11 ) ميل واحد يساوي - 1506 م .