إلى الشيخ الرماح وقال : هذا يجري في وسط « 1 » القيروان ، وأنت فيها ! وبسط له حاله ، فبعث إلى القائد وهو يأمره بنفيه . فقال : لا أفعل ، ولعله يكون صالحا كما يقول الناس فيدعو علي فنهلك ، فأنا لا نأمر ولا ننهى ، فبعث وراء الأمناء وأمرهم بذلك ، ففعلوا ، فلما وصل لربض « 2 » أولاد أبي رحمة غيث الحكيمي ، أخذه أهل الربض من أيديهم ، وأدخلوه المسجد المعروف بمسجد الزيتونة عندهم ، والتمّوا « 3 » عليه ، فبعث لهم الشيخ الرماح بانصرافه ، ففعلوا ذلك ، وأعطاه الناس حوائج كثيرة لاعتقادهم فيه ، فأخذوا يفتشون « 4 » على حوائجهم في البرج الذي كان فيه . وتبين بعد ذلك أنه زبال بتونس ، يكنس تحت الخيل ، فكان ممّا عرف له ذلك .
وكان رحمه اللّه يجيز السماع ، فيعمل له في زاويته بخواصّ أصحابه ، وكانوا تسعة ، ولا يحضر معهم أحد ، ولا يعمل لهم طعاما في غالب الحال ، وكان هو يحضر معهم في خلوة وحده ، ولا يشطح منهم إلا واحد إذا غلب عليه وأراد الحال ، وسلم له أهل عصره ذلك ، هكذا كنت أسمع في القديم .
ثم سمعت من شيخنا أبي عبد اللّه محمد الشبيبي « 5 » أن الشيخ أبا عبد اللّه محمد القلال كان ينكره عليه ويقول : إنه بدعة ولو على الصّفة المذكورة ، ووضع على أول تهذيب الشيخ أبي سعيد البراذعي سفرا في القالب الصغير من أوله إلى القصر ، فورد على القيروان تأليف الشيخ أبي حامد الغزالي المسمى بالإحياء .
فنظره ، وترك التأليف . واشتغل بعمل الميعاد ساعة ، والتفرغ للعبادة حتى مات .
هكذا سمعت من شيخنا أبي محمد الشبيبي ويا ليته - رحمه اللّه - لم يفعل ذلك ولو تمادى على تأليفه لكان أفضل له لحفظه في نقل المذهب وحسن فكرته ، ولكن ذلك الذي قدّر له . ونقلت عنه في شرح التهذيب وغيره ما يدلّ على ذلك .
وهو القائل في البدويين الجاهلين معا بالحرز إن شرى أحدهما من صاحبه السقيطة وغيرها جزافا : إنه جائز ، ورئي أن الجاهلين كالعاملين ، وأفتى الشيخ أبو القاسم الغبريني بتونس بمنع ذلك .
هامش
( 1 ) سقط من : ت .
( 2 ) ت : لربظ .
( 3 ) بمعنى : التأمو ، وفي ت : واتلمذوا .
( 4 ) في ط : يفتشن ، وفي ت : يفتشوا .
( 5 ) ت : الشقانصي .