وكان أبو عمران موسى هذا يخرج من القيروان للمسجد المعروف الآن بمسجد علي ، الكائن على يمين المار بجبانة الشيخ أبي الحسن القابسي وهو مسجد الشيخ أبي إسحاق السبائي ، هو وبعض خواصّه ، ويصلّي بهم النافلة جهرا بقدر العشرين حزبا ونحوها ، ويرجع .
وسمعت أنه دخله يوما وعليه ثياب بيض ليصلي فيه فأغارت « 1 » عليه خيل فدخلوا المسجد فلم يروه ، وأعمى اللّه أبصارهم .
وبعث له الأمير أبو يحيى أبو بكر لما وصل بمحلته القيروان دراهم نحو صاع ليأخذها ، ففرّقها عند باب داره على الفقراء والمساكين ولم يدخل داره منها شيئا سوى درهما واحدا ، أشك فيه هل أخذ به أهل داره لحما لما ألحّ عليه بعض أولاده في ذلك أم لا ، وكان الذي عرّفني بذلك ؛ ولده أبو زكرياء يحيى ، فشككت فيما قال لي في الدرهم المذكور ، هل [ أنفقه ولده ] « 2 » أم لا ؟ .
وكان إذا رأى ولدا صغيرا يزور الجبانة ، يحثّه على الخير ، وعلى حضور الميعاد .
وسمعت شيخنا أبا محمد الشبيبي يقول : ورد رجل على الجبانة الغربية بالليل ، وهي جبانة باب سلم ، وبقي يصيح ، فسمعه أهل القيروان فبكروا له ، فوجدوا رجلا أشعث ، أغبر ، عليه غرارة ، وبيده سبحة فقالوا : هذا سائح ، فأدخلوه القيروان ، وأسكنوه في برج في سور البلد يعرف ببرج بوسطيلة « 3 » ، وبيّضوه له ، وافتتنت به الناس مدة ، وأكثروا الكلام عنه في إظهار الكرامات ، فبعث ورآه الشيخ أبو عمران موسى [ المناري ] « 4 » ، فأتي له به ، فتكلّم معه في الكرامات ، فقال : الكرامات تحضر وتغيب ، فتكلم معه في التوحيد ، فوجده جاهلا ، ثم إنه « 5 » أحضر له إبريقا فيه ماء وقال له « 5 » : توضأ قدامي ، قال : ولم ؟ قال : إما أن [ تتعلّم مني ] « 6 » أو نعلّمك ، فتوضّأ « 5 » فوجده لا يعرف شيئا من نقل الماء وغيره ، فقال لمن حضره : اذهبوا به ، وأخرجوه من القيروان . فلما خرجوا به وجدوا العامة على باب الدار ، فنزعوه من أيديهم وقالوا « 7 » : لا يحب الفقهاء أن يكون واحد معهم ، وردّوه إلى مكانه ، فمشى
هامش
( 1 ) ت ، ط : فغارت . وهذا تكرر مرارا .
( 2 ) نفقة لداره .
( 3 ) ت : العسال .
( 4 ) سقط من : ت .
( 5 ) سقط من : ت .
( 6 ) ت : نتعلم منك .
( 7 ) إسقاط الواو من : ت .