فكانت السوداء تغزل وتبيع غزلها وتطعمه ، فإذا قرع أحد بابه خرجت السوداء وقالت : الساعة يخرج إليكم القاضي ، فيخرج فيقضي بين الناس على بابه ثم يدخل أقام على ذلك سنين إلى أن اعتلّ ، فأقام ثلاثا لم يخرج وتكاثر النّاس على بابه فخرجت السّوداء فقالت : ادخلوا عودوا القاضي ، فإنه مريض ، فدخلوا عليه وتحته حصير وعند رأسه وسادة محشوّة بالتبن فبكى وقال : يعلم اللّه لقد اجتهدت ما استطعت ، وقد سألت الآن الأمير ورغبت إليه في المعافاة ، وأنا شيخ كبير منصرف إلى القيروان ، فبكى الناس واعولوا ثم خرج عنهم وهو عليل ، فلما وصل إلى سوسة قال : يا أهل سوسة كما خرجنا رجعنا هذا كسائي وجبتي وخرجي وكتبي وهذه السوداء كذلك واللّه ما تلبست بشيء من دنياكم حتى انصرفت ، ثم وصل إلى القيروان فتوفي بها سنة عشر وثلاثمائة .
قلت : ودفن بباب سلم . وأبو بكر : هو أبو بكر أحمد بن بكر الزويلي . وأراد بقوله بهذا خرجت : أي عنكم وتبع في لفظه التجيبي . ولفظ المالكي : « بهذا دخلنا عليكم وزاد بعد كسائي وفروي » « 1 » .
177 - ومنهم أبو عبد اللّه محمد بن حربونة المتعبد رحمه اللّه :
قال : كان من المجتهدين في العبادة ، معروفا بالزّهد والإجابة ، منسوبا إلى المحبة وكان إذا استغاث به أحد من ظلم سلطان قام فصلّى ركعتين ، ثم يدعو بشيء خفيف ، ثم يقول للمستغيث : اذهب فإنّك لا ترى بلاء . حكي أنّه جلس في جماعة فقال له رجل : يا أبا عبد اللّه إنّ فلانا كثر أذاؤه لي . فقال : اللهم أكفناه بلا ضرر عليه في دينه ولا دنياه . فأحدث اللّه في قلب ذلك الرجل الحج من ساعته ، فوصل من حينه إلى الشّيخ فودّعه وانصرف إلى الحجّ .
قلت : ما ذكره نقله التّجيبي وعزى حكاية الرجل لنقل أبي الحسن ، ويعني به ابن الحلاف لتصريح غيره بذلك . قال التجيبي :
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم تسليما أنه قال :
« من صلّى عليّ تعظيما لي ، وشوقا إليّ خلق اللّه من تلك الصلاة ملكا رجلاه في
هامش
( 1 ) الرياض : 2 / 180 .