نهار ذلك اليوم حتى قتل فكأنه جزع ، فقيل له : تكره القدوم على اللّه فوثب كأنه حلّ من عقال يقول : لبّيك لبّيك حتى ضربت عنقه . وقال المالكي : « قتلا « 1 » بالرماح وصلبا برملة المهدية » .
قلت : وقال بعضهم : كان أبو عبد اللّه محمد السّدري « 2 » هذا فقيها ناسكا زاهدا عابدا من العباد الزاهدين ، المريدين العاملين ، الخائفين الوجلين ، المتوكلين الصائمين ، القائمين القانتين السائحين ، ساح في البلدان وتغرّب عن الأوطان ، وحجّ حججا كثيرة ، وجاور وأقام بالمشرق سنين عديدة ، بعد أن أقام بالمغرب مدة . روى عن أبي القاسم الحسن بن مفرج المذكور أنه قال : صحبت أبا عبد اللّه السدري طويلا بالمشرق فانتهت صحبتي معه إلى أن صعدنا الطور ، فلما انتهينا إلى الموضع الذي قيل إن اللّه كلم فيه موسى عليه الصلاة والسلام خرّ صعقا فاستعنت ببعض من كان بالموضع على حمله وإنزاله فأقام مغشيا عليه باقي يومه وليلته . قال : ثم دخلنا إلى الموضع الذي يقال : إن الشجرة التي سمع موسى الكلام من ناحيتها كانت فيه وقد بنيت عليه بيت وله حفظة وقوام فلما دخل أبو عبد اللّه السدري الموضع بقي مبهوتا كالولهان ، لا يطيق كلاما ولا يرد جوابا . وروي عنه أنه رضي اللّه تعالى عنه كان في السّياحة مع أصحابه فنزلوا على رجل فأتاهم بكنافة فمدّ السّدري يده ليأكل مع أصحابه ثم نصبها قبل أن يمس الطعام ، وقال لأصحابه : « كلوا رحمكم اللّه تعالى . فقالوا له : وكل أنت معنا ، فقال لهم : كما أقول لكم فلست آكل شيئا منها ، فقالوا : ولم ؟ فقال : غلبت علي شهوة نفسي فمددت يدي ولم أذكر ربي عزّ وجل . قال المالكي وروى عن أبي بكر بن شراحيل الصدفي أنه قال : « صحبت أبا عبد اللّه السدري في طريق الجزيرة حتى انتهينا إلى شجرة لها ظل فوقف السدري يصلّي تحت الشجرة ، واضطجعت إلى جنبه فأقبل سبع فقلت له : أصلحك اللّه سبع جاءنا فأقبل على صلاته ولم يشتغل بكلامي ، والسبع يقرب منا فلما رأيته لم يشتغل
هامش
( 1 ) الذي قتل معه في ذلك اليوم هو : أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه السدري قتلا جميعا بالرماح وصلّبا . الرياض : 2 / 166 .
( 2 ) انظر ترجمة محمد السدري في الرياض : 2 / 166 - 175 .