تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
بكى حتى تخضل لحيته وذهب معها ليرى منزلها فيبعث إليها من القمح والزيت ما يقوم بها ، ويشتري لها من الكتّان ما يراه صلاحا لها . وكان يخرج في الشتاء فيقف كلّ يوم على باب من أبواب المدينة فإذا بصر بشيخ أو شاب ، خرج في الرّيح والبرد والمطر بحبل يحتطب أو يحشّ . قال له : ارجع من هذا البرد وهذه نفقتك ونفقة عيالك « 1 » . وكان يمشي في الأسواق على الباعة فيجلس عند الرّجل الضعيف فيقول له : نعطيك دراهم تجعلها رأس مالك فإذا ربحت ترد إلي الدراهم فيدفع إليه ما يراه ثم يقوم فلا يعود إليه . قلت : عزّى التّجيبي هذا لنقل الزعفراني أيضا . قال : وقال أبو بكر بن أبي عقبة الفقيه : باع هاشم مطمرا شعيرا زهاء مائتي قفيز ، ثم أخذ المال وركب دابّته ، فكان يدخل من باب أبي الربيع ويعطى ، ويدخل من باب سوق الأحد ، ويعطي ويمشي في الشارع ، ويعطي ويدخل من باب سلم ، ويعطي حتى نفد ثمن الشعير ، فتعرض له شيخ وقال : تصدّق علي فنفض له الخريطة فوقع منها نصف درهم وثمن ، فدفع ذلك إليه فلما كان الليل وقف به شخص فقال ؛ رحمك اللّه ما الذي أعطيت الشيخ ؟ . قلت : قال المالكي : « ويروى أن أهل السّجن بعثوا إليه يذكرون ما هم فيه من ضيق الحال ، ولم يكن عنده شيء إلّا مهراس نحاس من تركة أبيه ، فباعه بثلاثة دنانير ، وأخذ بها قمحا ، وجعله خبزا وبعث به إليهم وجعل ثواب ذلك لأبيه ، فرآه في المنام فقال له : جزاك اللّه عنّي خيرا يا بنيّ أفضل ما جازى ولدا عن والده ، فقد كانت بين يدي عقبات عظيمة أعنتني على جواز أعظمها بثمن ذلك المهراس » « 2 » . ويروى أنه كان عنده ألف دينار فتصدّق بها حتى لم يبق منها إلا خمسة دنانير ، ثم إنّه اتّجر بها إلى أن عادت ألفا ، وخرّج عنها ثانيا ، ثم ثالثا قال : فعلمت أنّ اللّه أوقفني لعباده فأنا أدفع ولا أتوقّف « 3 » . قال : وكان له في كل شهر رمضان تسعون ختمة في ليله ونهاره ، وأمّا في سائر الأيّام فكان له في كلّ يوم وليلة ختمتان على أنه يتصرّف في حوائجه وضيعته .
هامش
( 1 ) الخبر في الرياض : 2 / 147 . ( 2 ) الخبر في الرياض بصيغة مختلفة 2 / 148 - 149 . ( 3 ) الخبر في الرياض 2 / 148 .
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 191 | عبد الرحمن الأنصاري الدباغ / عبد المجيد خيالي