قال : ولي قضاء الزّاب « 1 » لعيسى بن مسكين ، ثم ولّاه حمّاس قضاء طرابلس ، وكان عدلا في أحكامه وأراد بالزّاب ، أي : وسائر عمالته لقول التّجيبي ، ولي قضاء الزّاب ، وطنجة « 2 » ، وباغاية لعيسى بن مسكين أيام إبراهيم بن أحمد ، وولّاه حمّاس القضاء أيام زيادة اللّه قضاء طرابلس ، وكان عدلا ضربه محمد بن المروزي قبّحه اللّه ، هو وابن الطّوزي في يوم واحد عند جامع القيروان عداوة للإسلام . وفي كلامه بتر لقول غيره ، ضربه وحبسه بعد عزله من قضاء طرابلس فأطلقه عبيد اللّه لما بلغه ذلك ، وذلك أنّ عبيد اللّه تخاصم بطرابلس أول وروده مع قوم من الحمالين ، وهو لا يعرف بنفسه ، فلما نظر إليه أبو العباس قال : وكل من يخاصم عنك ، ونزّه نفسك عن المناظرة ، فحفظ له عبيد اللّه هذه اليد .
قال : ولما مات محمد بن سحنون جلس أبو العباس للفتيا فأنكر عليه عبد اللّه بن طالب القاضي ثم بعث إلى أبي الغصن السّوسي أن يختبره فألقى عليه كتاب القراض ، فأجاب عنه كلّه فأباح له ابن طالب الفتيا .
قلت : مثله للتّجيبي وفيه بتر لأن اختبار من ذكر كان بحضرة ابن طالب وليس فيما تقدم جلاء بذلك ، ولما رأى أبو الغصن حفظه وثب قائما على قدميه وقال لابن طالب : القضاء واللّه يستحقّ دون الفتيا . وقيل : إنّ ابن طالب هو الذي اختبره بنفسه ، وزاد صاحب هذا القول ثم ألقى عليه بعد كتاب القراض أكثر كتاب الصرف . قال أبو العباس : حتى ألقى علي مسألة الخلخالين ، فلما رأى حفظي وكنت شابّا قال : الحمد للّه الّذي رأيت لأصحابنا شابّا مثلك ، نعم يا بني امض واجلس في مجلسك وافت واتّق اللّه ربّك . وهذا فعل أهل الدّين ، منعه لحق المسلمين ، لاحتال أن لا يصلح ، فلما اختبره وتبيّن له أنه يصلح في الفتيا أذن له في ذلك ، وقول أبي الغصن : القضاء يستحقّ فضلا عن الفتيا ظاهر كالنّص في أنّ القاضي قاضي الجماعة كان عندهم أرجح من الفتيا ، وليس كذلك في زماننا ، وذلك أنّ القاضي ولو كان من أدين خلق اللّه لا بدّ أن يشتكي به بعض المحكوم عليهم ،
هامش
( 1 ) الزاب : على أطراف الصحراء في سمت البلاد الجريدية من عمل إفريقية . للمزيد انظر :
الروض المعطار ص : 281 .
( 2 ) طنجة : مدينة مغربية شمالية قديمة تقع على ساحل البحر ، تبعد عن العاصمة المغربية الرباط ب 78 كلمترا . وقد تكلم عنها الحميري في كتابه الروض المعطار ص : 395 - 396 .