يناظرهم في قضيّتهما . وكان رحمه اللّه لا يهاب سلطانا ولا غيره في حق . وقيل : إنّ عامل القيروان قتل إنسانا بغير حقّ ، فكتب إليه حمّاس يعظه في سفك الدّماء فأنف ، وقال : ما لحمّاس وهذا ؟ أنا سلطان انظر في الدّماء وشبهها ، فتوجه حماس إلى تونس لزيادة اللّه بن الأغلب واجتمع به ، فعزل العامل المذكور ، وانصرف حمّاسا مكرّما وعزل نفسه رحمه اللّه باستعفائه لمّا تغيّرت الأحوال ، وسبب ذلك أن ابن الصّائغ صاحب البديل ، وكبير دولة زيادة اللّه سعى بالكلام في حمّاس عنده لمخالفته المذهب ، وأنه كان لا يدخل تحت طوعه ويبدأ باسمه عليه إذا خاطبه ، فولّى زيادة اللّه محمد بن أحمد بن جمال من أهل العراق القضاء معه ، ورفع من شأنه ، ونادى مناديه إذا تداعيا الخصمان إليه وإلى حمّاس ، صارا إليه دون حمّاس ، فلما رأى حمّاس ذلك رفع ديوانه ومضى إلى رقّادة فأقام بجامعها ستة أشهر يطلب المعافاة ، فقيل له : ليس لك إلا ابن الصّائغ الذي سعى عليك ، وقصده فلما دخل عليه قام ابن الصّائغ إليه وسأله عن حاله ، فذكر أنه يرغب في المعافاة ، فسعى له عند زيادة اللّه في ذلك وقال له : قد خيّرتك إن أحببت أن تكون قاضيا كما كنت ، وإن أحببت المعافاة عافيناك ؟ فقال له : المعافاة أحبّ إليّ . فعافاه وكتب له سجلّا بخطه بمعافاته .
قلت : إنما اختار المعافاة لوجهين .
أحدهما : أنه كان لا يأخذ على قضائه أجرا على ما يظهر من سيرته فهو يتعب بلا فائدة دنيويّة .
الثاني : سياق الكلام يقتضي أنه فهم أن غرض الأمير في عزله ، وعلم أنه إن تقدّم أنه لا ينصلح الحال كما كان أوّلا ، فنعم ما فعل ، والّذي يعلم في زماننا أنّا نقف في الحق ونذبّ على الرعية في مسائل الشّرعيّات خوفا من النّار ، فيكتب القوّاد إلى السّلطان نصره اللّه تعالى بالكلام الباطل ، وربما يكتب بذلك ، أو يباشر الكلام من سوى بينه وبين غيره ، وحكمت عليه كغيره بأدب أو غيره ، حتى يقع التّمويه فيشكّ في صدق كلام المشتكي أو يغلب على ظنه صدقه فيعزل من يعزل بسبب ذلك . ومن فضل سلطان وقتنا أمير المؤمنين أبو فارس عبد العزيز ابن أمير المؤمنين أبي العباس أحمد أنه يعرض عن كلامهم في الأغلب ، فإذا كثر الكلام يشاور قاضي الجماعة وهو شيخنا أبو مهدي عيسى بن أحمد الغبريني ويكلمه بكلام ليّن يقول له :
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 181
مساهمون: عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
ص١٨١