المطمر فيه فيعملون منه دشيشا يجوّزون به خبز الشّعير . ووجد بعض الحجّاب في سقيفة حمّاس قطعة فضّة فسأل عنها حمّاسا فقال : ما يملك حمّاس ولا آل حمّاس صفرا ولا بيضا ، وإنما يجيئنا شعير قديم من البادية منه ، أكلنا وشراء بقلنا وقال أحمد بن نصر : قال لي حماس : لقد كنّا نوجّه الشّعير ليشترى لنا به البقل نطبخه فكسد الشّعير ونفد البقل فصرنا نثرد الشعير بالشعير . وقال أحمد بن نصر : رأيته في يوم جمعة يقوم ويقعد ويختلف ، فقلت له : أصلحك اللّه أي شيء خيرك فقال :
عندنا شعيرا أخذته رائحة المطمر « 1 » ليس يأخذه البقالون نعجن منه دشيشا نثرد فيه من خبزه ، ورأيت البارحة خبزا شعيرا أخرج من الفرن ، فبكيت وتذكرت في بيوت أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليس فيها شيء ، وأنّهم طالما اشتاقوا إليه ، وقد أكلته فأصابني منه اختلاف ، فلهذا أقوم وأقعد . ولما توفي حمّاس قال لهم : بيعوا من كتبي ما تكفنوني به « 2 » . وروي أنه أقام رجل يراعي خرقا في قميص حماس والفرو يظهر منه جمعات كثيرة فقال له الرجل : أصلحك اللّه هذا خيط من أصله كذا ائذن لي أن أخيط لك ، قال يا أخي : لهذا الخرق سبع عشر سنة ما ضرنا بشيء .
قلت : ذكر جميع ذلك التّجيبي وذكر الجمعة قرينة في أنه إنما كان يلبسه يوم الجمعة فقط . فلهذا بقي المدة المذكورة وأراد بقوله من أصله كذا أي من الحلية .
قال : وكان حمّاس من تواضعه وزهده يفتح القناة ، ويكسّر الحطب على باب داره والناس حوله يختصمون إليه ويسألونه .
قلت : مثله ذكر التّجيبي ، وهذا لما كان التعظيم بالدين ، وفي زماننا اليوم لو عمله قاض لازدروه ولم تمش له بعض الأحكام . فالتّواضع للقاضي مطلوب حيث لا يزري بخطة القضاء ، وقد فعلت من التواضع ما تأتى لي بجزيرة جربة ، لأن ذلك لا يزري بخطة القضاء عندهم لأنهم برابر كالبادية ، بخلاف غيرهم كأهل باجّة .
[ صون الأئمة والقضاة بالملابس والمراكب من البدع المندوبة ]
وقد قال الشيخ شهاب الدين القرافي رحمه اللّه : من البدع المندوب إليها صون الأئمة والقضاة والولاة بالملابس ، والمراكب ، وهو خلاف ما كانت عليه الصحابة ،
هامش
( 1 ) المطمر : وهي حفرة يخبّأ فيها البرّ والحبوب تسمى : بالمطمورة عند أهل البادية .
( 2 ) راجع الخبر في الرياض : 2 / 119 - 120 .