فإنّ التعظيم في الصدر الأول كان بالدّين فلما اختلّ النظام وصار الناس لا يعظمون إلا بالصّون كان مندوبا حفظا لنظام الخلق ، وأراد رجل أن يبني دكّانة على باب داره فمنعه جاره فتداعيا إلى حمّاس وكانا لا يعرفانه فألفياه وفي يده قلّة وهما يسألان عن دار القاضي حمّاس . فقال : ما تريدان ؟ قالا : نتحاكم في مسألة ، قال : تحاكما وأخذ القلّة ووضعها على رجله ولم يضعها بالأرض ، فقال له المدعو : ولم لم تضعها بالأرض ؟ قال : لأن الأرض مملوكة للمارّة ، فلا أضيق عليهم ، فقال : يا سيدي قضيت الحاجة . وقال في نفسه : إذا كان القاضي لم تسمح نفسه في وضع قلّة بالطريق ثم يرفعها فكيف يحكم لي أنا بأن أبني دكّانة في الطريق ؟ وانصرف ورجع عما قصده سمعت هذه الحكاية من شيخنا أبي الفضل أبي القاسم البرزلي رحمه اللّه تعالى .
قال : روي أنه خرج ذات ليلة من بيته وابنه سالم يتهجّد في بيته ، وابنه محمد في بيته يتهجد ، والعجوز والدتهما في بيتها تقرأ القرآن وتركع وتبكي ، والخادم تصلي ، فوقف في القاعة فقال : يا آل حمّاس ألا هكذا فكونوا .
قلت : ما ذكر هو لفظ التّجيبي ، وما ذكر من العبادة في والدتهما والخادم تفنن في العبارة ، ولذا عبّر غيرهما في جميع ذلك بالتهجد ، ونداؤه بما ذكر هو لما دخل قلبه من السرور . وهذه الحكاية رواها عبد اللّه بن سعيد . قال المالكي : بعد أن ذكرها عنه : وذكر أنهم باعوا الخادم فاشتراها قوم فرأتهم لا يصلّون بالليل ، وظنّت « 1 » أن من لم يصلّ بالليل ليس بمسلم ، فهربت من دارهم إلى مواليها آل حمّاس وقالت لهم : يحل لكم تبيعوني « 2 » من قوم يهود لا يصلّون بالليل « 3 » ؟
قال : قال محمد ابن أخي مروان العابد قلت لعمي مروان : هل رأيت الخضر « 4 » ؟ قال : نعم جئت إلى الجامع يوم الجمعة فوجدته وقد امتلأ ، فقعدت تحت الصّومعة فخرج من باب البهور ، رجل في زيّ بغدادي ، فتخطّى رقاب النّاس
هامش
( 1 ) في الرياض : « فظنت أنه » 2 / 119 .
( 2 ) في الرياض : بعتموني 2 / 119 .
( 3 ) الخبر في الرياض 2 / 119 .
( 4 ) عن حياة الخضر عليه السلام انظر كتاب « الزّهر النّضر في نبإ الخضر » لابن حجر العسقلاني رحمه اللّه ، فهو كتاب يكاد يجمع فيه كل ما قيل حول الخضر ، مستقيما مادته من القرآن والسنة ، وكتب التاريخ والأخبار مناقشا ومحلّلا الروايات المختلفة والأقوال المتعددة التي جمعها في كتابه .