تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
فأجلسني معه في مكانه وهو يقول لرجل ممن ينتسب إلى العراقيين : أليس العالم أفضل من المتعلم أبدا ؟ والعراقي يقول له : نعم ، وكرر ذلك عليه وهو يقول له : نعم ، قال أبو عثمان سعيد : ففهمت مراده ، ومقصوده بذلك توكيد الطعن على أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه في سؤاله عليّا رضي اللّه تعالى عنه عن فرض الجدّة فقلت : إني أسمع كلاما يجب للّه علي أن لا أسكت . قال : وما ذاك ؟ قلت له : المتعلم يكون أعلم من المعلم أبدا ويكون أفضل منه ، قال : وما دليله ؟ قلت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسليما : « ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، وربّ حامل فقه غير فقيه » « 1 » . وآخر ما هو متعارف وهو أن المعلم يعلّم الصّبيان القرآن فلا يزال يعلمهم حتى يكبر الصّبيّ فيعطي اللّه عزّ وجل الصبي من الفهم بعامّ القرآن وخاصّه وبظاهره وباطنه ما لا يقدر المعلم على علمه أبدا ، فقال لي : أذكر من خاصّ القرآن وعامّه شيئا . قلت : قال اللّه عزّ وجل :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
[ البقرة : 221 ] . يحتمل أن تكون هذه الآية أراد بها عامّا . فلمّا قال اللّه عزّ وجل :
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ المائدة : 5 ] الآية علمنا بهذه الآية أن مراده في الآية الأخرى خاص دون عام ، أراد : ولا تنكحوا المشركات غير الكتابيات حتى يؤمن قال : ومن المحصنات ؟ قلت : العفائف ، قال : المحصنات المتزوجات . قلت : الإحصان في كلام العرب التي بلسانها نزل القرآن الإحراز ، فكل من أحرز شيئا فقد أحصنه فالإيمان : الإحراز يحرز دم صاحبه وماله وبنيه وهو يحصنه والعتق يحصّن المملوك ، لأنه يحرزه عن أن يجري عليه ما يجري على المماليك . والتزويج يحصّن الفرج لأنّه أحرزه من أن يكون مباحا مثل ما كان له قبل التّزويج ، فالعفاف إحصان الفرج لأنّها أحصنت فرجها بالعفاف . قال : ما يكون الإحصان عندي إلّا التزويج .
هامش
( 1 ) الحديث أخرجه الترمذي في السنن ، في كتاب العلم ، باب ما جاء في الحث على تبليغ السّماع حديث ( 2656 ) ص : 598 ، ولفظ الحديث : « نضّر اللّه امرءا سمع منّا حديثا فحفظه حتى يبلّغه غيره ، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، وربّ حامل فقه ليس بفقيه » من رواية أبان بن عثمان عن أبيه . وقال الترمذي حديث حسن . ومن رواية عبد اللّه بن مسعود عن أبيه حديث ( 2658 ) وهو صحيح .