المعلوم ليس بمنصوص فعلمنا بذلك أنّ اللّه تعالى إنّما أمرنا أن نمثل ما لم ينص ذكر عينه بالقياس والاجتهاد . ومنه قوله عزّ وجل :
يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
[ المائدة : 95 ] ، فلم يكله إلى حاكم واحد حتى جعلهما اثنين ليقيسا ويجتهدا . ثم عطف على أبي الأسود موسى بن عبد الرحمن القطّان فقال له :
أين وجدتم حدّ الخمر في كتاب اللّه عزّ وجل ؟ فقال له موسى : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسليما : « من شربها فاضربوه بالأردية ثم إن عاد فاضربوه بالأيدي ثم إن عاد فاضربوه بالجريد »
فقال له أبو عبد اللّه على النكير منه : إيش هذا أقول لكم أين وجدتم حدّ الخمر في كتاب اللّه تقول اضربوه بالأردية ثم بالأيدي ثم بالجريد ؟ قال أبو عثمان : فقلت له :
إنما أخذ قياسا على حد القاذف لأنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فوجب عليه ما يؤول أمره إليه ، وهو حد القذف . فقال لموسى القطان : ألم يقل
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسليما : « وأقضاكم عليّ »
فجعل موسى يقص عليه الحديث :
« وأعلمكم بحلال اللّه وحرامه معاذ وأرحمكم بأمتي أبو بكر وأشدكم في دين اللّه عزّ وجل عمر » فقال له الشيعي : فكيف يكون أشدّكم في دين اللّه عزّ وجل وقد هرب بالراية يوم حنين « 1 » ؟ فقال له موسى : ما سمعنا بهذا ولا نعرفه . فقال أبو عثمان :
تحيّز إلى فئة كما أنزل اللّه عزّ وجل :
إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
[ الأنفال : 16 ] فمن تحيز إلى فئة كما أمر اللّه عزّ وجل فليس بفارّ ، فمال بوجهه إلى بعض أصحابه فقال : اسمعوا ما قال الشيخ ، قال : انحاز إلى فئة كما أمر اللّه عزّ وجل . فقال مجيبا وهو يشير بيده : وأيّ فئة أكبر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وكأنه تخافت في كلامه ويسمع من يليه . قال الشيخ أبو عثمان : ودخلت على أبي العباس أخيه ،
هامش
( 1 ) في كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي : « يوم خيبر » 14 / 208 انظر مرجع الكتاب مؤسسة الرسالة ط 9 بيروت السنة 1413 بتحقيق شعيب الأرناؤوط ، ومحمد نعيم العرقسوسي . فالخبر وارد بأتمه في سير أعلام النبلاء ، كذا لفظة : خيبر وردت في طبقات الخشني ص : 259 . انظر حديث :
« أرحم أمّتي بأمتي أبو بكر ، وأشدّهم في أمر اللّه عمر ، وأصدقهم حياء عثمان بن عفان ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم أبي بن كعب ، ولكل أمّة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح »
أخرجه الترمذي في السنن كتاب المناقب ، باب مناقب معاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبي بن كعب ، وأبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنهم ، حديث ( 3790 ) ص : 856 وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا الوجه ، وقد رواه أبو قلابة عن أنس ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نحوه ، والمشهور حديث أبي قلابة ، حديث ( 3791 ) وقال فيه : « هذا حديث حسن صحيح » .