السابعة لحم ، وهذا الفعل من أبي عثمان قناعة وتدبير في المعيشة قنع بما في يديه عن الناس ، وكان يحضّ على القناعة ، ويرغّب النّاس فيها ويقول : القناعة غنى .
وقال : قدمت من طرابلس فكنت في رفقة فيها سبعون حملا بزّا من صداف البصرة وجميع ما في الرفقة من الجمال والأحمال والأعوان لرجل واحد هو فيها معنا راكب على حمار مخرم الوسط بمنطقة ، وكان يستظلّ بظل محملي يقال له : أبو عوانة فقال لي يوما : يا أبا عثمان ما يقول أصحابكم أصحاب الحديث في القناعة ؟
يقولون : القناعة غنى لأنه إن قنع بما في يديه استغنى عما في يد غيره ، لكن أصحابنا السدّادين يقولون : القناعة فقر ؛ لأن من تقنّع لا يطلب ، ومن لم يطلب لا يكسب ، ومن لم يكسب فهو فقير . فسكت عنه ولم أكلمه ، فدخل القيروان وباع واشترى أحمالا ثلاثين ، وكملها مائة ، ثم توجه فلم أسمع له خبرا فلما ذكرت خبره لبعض من يتوجه إلى تلك الناحية قال لي : يقال إنه نزل في بعض الرّمال فأسفت عليهم الريح فدفنتهم أجمعين فوقع في نفسي أنه عوقب بما قال في القناعة . ومن كلامه دليل الضّبط الإقلال ، ودليل النّقص الإكثار .
ذكر شيء من حكمه رحمه اللّه تعالى
قال المالكي : كان الشيخ أبو عثمان بن الحداد رحمه اللّه تعالى يقول : « تقديم من أخّره اللّه وتأخير من قدّمه اللّه ، فتنة في الأرض وفساد كبير » . وكان يقول : « سل ربّك العافية من بلاء يضطرّك إلى معصية » . وكان يقول : « إنما هو دين أو مروءة فمن عرا منهما فقد عرا من كلّ خير » . وكان يقول : « القرب من السّلاطين في غير هذا الوقت ، حتف من الحتوف ، فكيف به في هذا الوقت » . وقال : « ليس كلّ ذنب يجب فيه العفو ، ولا كلّ حالة يجب فيها الحلم » . وقال : « ما ينبغي للإنسان أن يضيّع مكسبه ولا يسرع يده فيما يملك لو لم يتماسك بالفور وإلا لشمتت الأعداء لئلا يحتاج الإنسان إلى غيره » . وكان يقول : « القلب الحيّ كاللّحم الحي ، اليسير يؤلمه » ، « والقلب الميت كاللحم الميت الكثير لا يؤلمه » .
ذكر بقية أخباره رحمه اللّه تعالى
قال التّجيبي : قال أبو محمد عبد اللّه بن التّبّان : سئل أبو عثمان سعيد عن قول اللّه عزّ وجل :
وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ
[ يس : 40 ] فقال : « مذاهب العرب يجعلون