الثاني : لم يبين بماذا عذب .
الثالث : هل كان القاضي شيعيا في اعتقاده أم لا ؟ وبيّنها المالكي فقال : لما طال على ابن أبي خنزير كثرة من يأتي به المروذي من العلماء والصالحين ليقتلهم سعى به عند عبيد اللّه ، ومضى به إلى المهدية ، فقبل عبيد اللّه قوله ومكنه منه ، فأخذه وألبسه ملبسا ورماه في إصطبل الدّواب تمشي عليه فركضت في بطنه حتى قتلته فكانت تلك المولّدة التي كانت لابن خيرون تأتيه وهو تحت أرجل الدّوابّ فيقول لها : إنك بسببي صرت عند السّلطان فتقول له : يا شيخ السوء قتلت سيدي ابن خيرون شيخ القيروان وأزلتني من عنده ورددتني عند خنزير ابن خنزير ، وتأمر خدمها فيلطمونه ويعطونه قدره . وكانت هي المتولية لعذابه حتى هلك لعنه اللّه تعالى . قيل :
إنه لما ضربه ألف سوط ، وعذّبه قال له : هات الأموال التي جمعت . قال : واللّه لو أن تحت قدمي جبّا مملوءا بمال الدنيا كلها ما أخرجت لكم منه درهما ، وإني قد عصيت اللّه تعالى فيكم فسلّطكم عليّ ، فاضرب ما شئت وعذّب كيف شئت . وكان محمد بن عمر المروذي هذا معتقدا لمذهب الشيعة معروفا بذلك فلما دخل الشيعي لعنه اللّه تعالى بادر إليه ، ودخل في دعوته ولزمه وولّاه قضاء إفريقية فتصلب وتكبّر وتجبّر . وكانت أيامه صعبة جدّا ، وأخاف أهل السنّة ، ثم خرج الشيعي إلى سجلماسة واستخلف في مكانه أبا العباس ، فأطلق يد المروذي ، وقوى أمره ؛ فأخذ أبو العباس بطريقة قاضي طرابلس وكان من الفقهاء العلماء ، وأبا القاسم الطّوزي قاضي صقلية ، والمحتسب بمدينة القيروان فضربهم ، وقتل ابن هذيل وإبراهيم بن البرذون ، وأول ما ولي زاد في الأذان حيّ على خير العمل ، وترك النّاس يصلّون رمضان سنة واحدة ثم منعهم ، وترك أكثر الناس الصلاة في المساجد وأخذ أموال الأحباس والحصون ، وأخذ السّلاح الذي في الحصون الّتي على البحر ، وأمر الفقهاء أن لا يكتبوا وثيقة ، ولا يفتوا إلّا من سرق وكفر ، وأمر أن تزال من الحصون والمساجد أسماء الّذين بنوها ، وأمر بها السلاطين ، ويكتب اسم المهدي .
قلت : وقبر ابن خيرون مزار يتبرّك به ، وعند رأسه لوح مكتوب فيه اسمه واسم أبيه ، وما ضره رحمه اللّه ما جرى ، كأنها سنة كرى ، ثم شاعت مدائحه كما ترى ، إنما يصبر من فهم العواقب ودرى ، وقد أخذ اللّه عدوّه القاضي المروذي الذي سعى عليه من جنس فعله بالشيخ بأحسن الأشياء وهو عفسه بأرجل البهائم مع ما عذب به
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 161
مساهمون: عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
ص١٦١