« ووجه إليه أحمد بن أبي سليمان « 1 » : إنه بلغني أنك تصلي الظهر أربعا بأذان وإقامة . كيف جاز لك ذلك ، والجامع يجمع فيه ؟ فقال له : قل له يا أحمد ألم يمر بك قول مالك في المسجونين : إنهم يجمعون في السجن ، لأنهم منعوا من الجمعة ؟
ونحن قد منعنا من الجمعة فأقمنا أنفسنا مقام المسجونين ، فأخبر أحمد بذلك ، فقال : رحمك اللّه يا أبا يوسف » « 2 » .
قلت : بترحّمه عليه كأنه ظاهر في رجوعه لما قال ، وأنه أعجبه فهمه ، فكأنه أيقظه من غفلة ، وهو الذي تقدّم عنه أنه قرأ عليه سحنون عشرين سنة ، وأسمع النّاس وأفتاهم مثل ذلك . قال المالكي : وكتب الصديني إلى أبي العباس الأمير يخبره بما فعل جبلة ، فأرسل إليه : « مدّ يدك إلى من شئت واحذر جبلة » « 3 » .
قلت : يريد لأنه مجاب الدّعاء ، فخاف على نفسه من دعائه ، وكان الصديني قاضيا .
قال : وجاءه صاحب المحرس ، واسمه سحنون ، فقال له الأمير : يقول لك :
كرر الإقامة وسلم اثنتين ، ولا تقنت في الصبح ، فقال له جبلة : مر يا لصّ ، سماك جدّك سحنونا ، وأنت سحنون الأمير ، لا تعلّمنا أمر ديننا .
وجاءه آخر بمثل ذلك عن المروذي « 4 » ، وبقراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وزيادة : « حيّ على خير العمل » في الأذان ، فقال له جبلة : « مرّ قبّح اللّه من أرسلك ، وقبّحك » « 5 » فأخبره الرسول فسبّه وقال له : إنا ما أرسلناك إلى جبلة تأتي إلى أولياء اللّه تعرض لي دعاءهم . وتجسّس صاحب المحرس عليه يوما فأخذه جبلة ، وأدخله المسجد ، وضربه بالجريد حتى تاب أن لا يعود إليه .
ذكر جملة من أخباره
قال : وكان جبلة قد ورث من أبيه رباعا كثيرة ، وأموالا فترك ذلك كلّه ، زهدا وتورّعا حتى تجرّد من ثيابه ، وبقي عريانا حتى كساه سحنون .
هامش
( 1 ) هو : أبو جعفر أحمد بن أبي سليمان داود الصواف كان حكيما ينطق بالحكمة . توفي سنة 291 ه . ترجم له في الرياض : 1 / 505 - 513 ، طبقات الخشني ص : 206 .
( 2 ) الخبر ورد في الرياض : 2 / 36 - 37 .
( 3 ) الخبر في الرياض : 2 / 37 .
( 4 ) هو محمد بن عمر المروذي توفي سنة 303 ه . البيان المغرب 1 / 173 .
( 5 ) الرياض : 2 / 41 .