علينا جبلة في غلالة وسراويل ومنديل ، كأنّ ثيابه أكلها الجراد فقوّم بعض الطّلبة جميع ما عليه بثلاثة أرباع درهم « 1 » . وقال أبو بكر بن أبي عقبة : ما أوقد جبلة نارا أربعين سنة ، إنما كان له دقيق شعير ، إذا كان عند إفطاره أخذ قبضة فحرّكها في قدح بماء فأفطر عليها وكبّر للصلاة فهو راكع وساجد حتى ينادي بالفجر .
قلت « 2 » : رواه التّجيبي عن أبي بكر المذكور ، وظاهره أنّه كان لا يقد في بيته نارا البتّة لا مصباحا ، ولا غيره ، لقوله : إنما كان له دقيق إلى آخره ، وهكذا كان زهد خواص الصّالحين .
ذكر قيامه بالحق ولا يبالي
كان رحمه اللّه لا تأخذه في اللّه تعالى لومة لائم ، ولما دخل عبيد اللّه الشيعي إفريقية ونزل رقادة ترك جبلة سكنى الرباط ، ونزل القيروان فكلم في ذلك ، فقال :
كنّا نحرس عدوّا بيننا وبينه البحر ، والآن حلّ هذا العدوّ بساحتنا وهو أشدّ علينا من ذلك ، فكان إذا أصبح وصلّى الصّبح خرج إلى طرف القيروان من ناحية رقادة معه سيفه وترسه وفرسه ، وسهامه ، وجلس محاذيا لرقادة إلى غروب الشمس ثم يرجع إلى داره ويقول : أحرس عورات المسلمين منهم ، فإن رأيت شيئا حرّكت المسلمين عليهم . وكان ينكر على من يخرج من القيروان إلى سوسة ونحوها من الثّغور ، ويقول : جهاد هؤلاء أفضل من جهاد الشّرك . قال المالكيّ : « ولم يكن في وقته رحمه اللّه أكثر اجتهادا منه في مجاهدة عبيد اللّه وشيعته « 3 » ، فسلّمه اللّه عزّ وجل منهم « 4 » . وإنما سلك أبو إسحاق السّبائي في بعض من ذكر طريق جبلة بن حمّود « 5 » .
قال : واتصل به أنّ بعض أهل القيروان خرجوا ليلتقوا عبيد اللّه الشيعي تقيّة من شرّه ، ومداراة « 6 » له ، فقال جبلة : اللّهمّ لا تسلّم من خرج يسلّم عليه ، واغتمّ لذلك غمّا شديدا فلما انتهوا إلى وادي أبي كريب جرّدوا وأخذت ثيابهم ، فلما
هامش
( 1 ) لم يرد هذا الكلام في كتاب طبقات أبي العرب . وقد نقله المالكي في كتابه الرياض : 2 / 33 .
( 2 ) سقط من : ط ، الزيادة من : ت .
( 3 ) في الرياض أمام كلمة وشيعته قوله : « كان لا يداري في ذلك أحدا من الخلق » 2 / 38 .
( 4 ) في الرياض : « وحماه من كيدهم ومكرهم » وهي جملة تأتي بعد كلمة ، منهم 2 / 38 .
( 5 ) الخبر في الرياض : 2 / 38 .
( 6 ) في ت وط : ومدراه . وهو تحريف لكلمة مداراة .