القاضي وملازما له ، وكان ذا هيئة جميلة عالية ، ولّى قضاء القيروان ، ولاه إبراهيم بن أحمد الأغلب وكان محبّا فيه ، معجبا به . ولما خرج إبراهيم إلى صقلية ، وصار الملك إلى ابنه أبي العباس أوصاه بابن عبدون وقال له : احفظه لي ، فأغراه بعض جلسائه ، وقال لأبي العباس : قد كان أبوك دفع إليه ألفي دينار ، لعمل أبواب الجامع ، فتبعث في طلبه وتسأله عن حساب المال . فبعث في طلبه من تونس إلى القيروان ، فأخذ ابن عبدون معه من ماله ألفي دينار وحملها ، فلما دخل على أبي العباس قال له : آتنا بحساب المال الذي أنفق في أبواب الجامع ، فقال له : أعزّ اللّه الأمير ، لست بصاحب ديوان تحاسبني ، وأخرج كيسا من كمّه وقال : هذه ألفا دينار من مالي فخذوها ، ويكون ثواب عمل الأبواب التي بالجامع لي ، وقد علمت وصية أبيك بي ، ومع هذا فخف اللّه واحفظ أهل العلم ، فإن اللّه يحفظك ، فاستحيا أبو العباس وقال : واللّه ما ترى مني إلا خيرا وصرف المال .
قلت : فالأولى ترك التعريف به ، وإن كان في هذه القضية فعل خيرا . وإنما ذكرت تعريف من ذكر لئلا يعتقد أنه رجل صالح في كل أموره كما تقدم من الإبهام بذلك ، أو يعتقد أنّه رجل آخر .
قال التّجيبي : وتوفي في هذه السنة سنة سبع وتسعين ، ودفن بباب سلم جوار القاضي سليمان بن عمران ، وصلّى عليه محمد بن عمر المروزي في مصلى العيد .
قال : وفيها زال ملك بني الأغلب بعد مائة سنة واثنتي عشرة سنة . قال المالكي : ولما ولي الصّديني « 1 » القضاء أيام أبي العباس ، كان جبلة يصلّي في مسجده يوم الجمعة الظهر أربع ركعات بأذان وإقامة ، فقال له مؤذنه « 2 » : الوقت حان أفترى أن أؤذن وأقيم داخل المسجد ؟ فقال : « إن أذّنت وأقمت في الصّحن وإلا فالزم نفسك ، ولو منعنا أحد من الصلاة لضربناه « 3 » بالنّبل » .
هامش
( 1 ) هو محمد بن أسود بن شعيب القاضي الصديني كان يقول بخلق القرآن توفي سنة 204 ه .
ترجم له في طبقات الخشني ص : 251 - 252 ، والبيان المغرب 1 / 175 .
( 2 ) في الرياض : المؤذن 2 / 36 . وأمام كلمة المؤذن الجملة التالية : « أترى أن أؤذن وأقيم في داخل المسجد فإن الوقت حاد » .
( 3 ) في الرياض : لرميناه .