عرفوا جبلة بذلك قال : ما غمّني فيهم إلّا رجل واحد فيه خير ، لا دنيا له ، والرّجل هو حمّاس ابن مروان القاضي ، ولما دخل عبيد اللّه القيروان وخطب أول جمعة ، وجبلة جالس عند المنبر ، فلما سمع كفرهم قام قائما ، وكشف عن رأسه حتى رآه النّاس ، وخرج يمشي إلى آخر الجامع وهو يقول : قطعوها قطعهم اللّه ، فما حضرها أحد من أهل العلم بعد ذلك ، وهو أول من نبّه على هذا ، ولما ولي محمد بن عبدون القضاء مضى إلى قصر الطّوب ، فخرج إليه أبو يونس وسعيد بن إسحاق يدارونه وجبلة جالس في بيته ، فأخبر بمجيئه وقيل له : هو يأتيك يسلم عليك فأتى ابن عبدون فوقف على باب جبلة فسلّم عليه فلم يرد عليه السلام فقال له وهو جالس : ما اسمك ؟ فقال له : محمد ، فقال له : يا محمد إياك أن تقول القرآن مخلوق فمضى ابن عبدون وهو يجرّ أطنابه ، وحضر جبلة جنازة رجل مدني وحضر ابن عبدون القاضي جنازة رجل عراقيّ وجلس كلّ واحد منهما في أصحابه حتى أتى بجنازة المدني ، فتقدم جبلة فصلّى عليها ، وصلّى القاضي خلفه ثم جيء بجنازة العراقي فتقدم القاضي وقيل لجبلة : الصّلاة ، فقال : كلّ حيّ ميّت ، وانصرف من جهة القبلة فشقّ ذلك على ابن عبدون فأرسل كاتبه إليه يقول : إنّي صلّيت وراءك إذ قدّمت ، فلما قدّمت أنا انصرفت من ورائي أتظنّ أنّي أقول بخلق القرآن ؟ ما أقول به . فقال له جبلة : أمرك عندي أشدّ ألست الّذي ضربت أحمد بن معتب ، وإبراهيم الدّمنيّ ، وفلانا بالسياط وقطعت بهم سماط القيروان ، وأمرت أن ينادى عليهم هؤلاء حزب الشيطان وهم رجال سحنون ، وسحنون أخذ العلم عن رجال مالك ، ومالك عن التابعين ، والتابعون عن الصحابة ، والصحابة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأمرك عندي أعظم من البدعة .
قلت : وتقدم أن ابن عبدون هذا كان حنفي المذهب ، وأنه رجل سوء ، وفيه يقول إبراهيم بن أحمد : لو ساعدته على مقصده فيمن يشكو به لجعلت له مقبرة على حدة ، وأنه ضرب أربعة ، بغضا منه في مذهب مالك رحمه اللّه تعالى ، ومات منهم ابن المديني ، والدمني ، وإبراهيم بن المضّاء في الحال ، ولم يذكره العواني ، وذكره الدباغ حسبما قدمناه حين التعريف بأبي إسحاق الدمني ، فالعجب من تعريف العواني به بقوله : وقاض عادل يوهم أنه علام صالح ، فقال أبو العباس : أحمد بن عبد اللّه بن عبدون بن أبي ثور الرعيني القاضي كان حنفي المذهب ، صاحبا لسليمان بن عمران
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي ) — صفحة 151
مساهمون: عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
ص١٥١