والروم ، فجمع العلوم والكتب مما قدر عليه ، وفعل ابنه شابور مثل ذلك « 1 » ، وكتب الكتب بالفارسيّة على ما كان هرمس البابلي ودورينوس السرياني وقندوزس اليوناني من اشينية « 2 » وبطليموس الإسكندراني وقرماسب الهندي ، فشرحوها وعلّموها الناس على مثل ما كان أخذوا من جميع تلك الكتب التي كان أصلها من بابل ثم جمعها وألّفها . وكذلك فعل كسرى أنوشروان بعدهما كذلك لمحبّة العلم والعمل ، ولأهل كل زمان ودهر تجارب حادثة وعلم مجدّد لهم على قدر الكواكب والبروج الذي هو وليّ تدبير الزمان بأمر اللّه تعالى .
قال أبو معشر « 3 » في اختلاف الزيجات : إن ملوك الفرس بلغوا في عنايتهم بصيانة العلوم وحرصهم على بقائها على وجه الدهر وإشفاقهم عليها من أحداث الجوّ وآفات الأرض أن اختاروا لها من الورق أصبرها على الأحداث وأبقاها على الدهر وأبعدها عن التعفّن لحاء شجر الخذنك ، ويسمّى التوز ، وبهم اقتدى أهل الصين والهند والأمم ، واختاروها لقسيّهم لصلابتها وملاستها وبقائها على القسيّ .
ثم طلبوا لها بعد ذلك من بقاع الأرض وبلدان الأقاليم أصحّها تربة وأقلّها عفونة وأبعدها من الزلازل والخسوف وأبقاها على الدهر بناء ، فلم يجدوا أجمع لهذه الأوصاف من أصفهان ؛ ثم فتّشوا عن بقاع هذا البلد فلم يجدوا أفضل من رستاق جيّ ، فجاءوا إلى مهنّد وهو في داخل المدينة المسماة بجيّ فأودعوه علومهم ، وقد بقي إلى زماننا هذا ، وهو يسمّى سارويه « 4 » « 5 » .
ومن هذا البنية ذرى الناس من بناها لأنّ قبل زماننا هذا بسنين كثيرة
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : بعده .
( 2 ) أ : ح . ن . : أثينة .
( 3 ) أبو معشر : جعفر بن محمد بن عمر البلخي : ت : 272 ه / 886 م ، عالم فلكي مشهور ، أصله من بلخ وأقام ببغداد وتوفي بواسط . من تصانيفه : المدخل الكبير ، هيئة الفلك ، الأمطار والرياح ، مواليد الرجال والنساء وغيرها .
( 4 ) أ : ح . ن . : ساروم .
( 5 ) ح . م . : وردت هذه القصة أيضا في كتاب الفهرست ، ص 301 .