العلماء ذلك ، ووضعوه في الكتب ، وأوضحت ما وضعت منه ، ووضعت مع وضعها ذلك الدّنيا وجلالتها ومبدأ أشيائها وتأسيسها وحال العقاقير والأدوية .
وكانوا على ذلك برهة من الدّهر حتى ملك الضحاك بن ميّ في « 1 » حصّة المشتري وتوبته « 2 » . وسلطانه ، فبنى مدينة اشتقّ اسمها من اسم المشتري ، فجمع فيها العلم والعلماء ، وبناها اثني عشر قصرا على عدّة بروج السماء ، وسمّاها بأسمائها ، وخزن فيها كتب أهل العلم ، وأسكنها العلماء ، فانقاد لهم العالم ، ودبّروا أمورهم .
ومنهم هرمس البابليّ وتنكلوشا وطيفورس وغيرهم من الأفاضل ، وما زالوا على أحوالهم مقيمين إلى أن بعث اللّه تعالى نبيّا في زمانهم ، فأنكروا نبوّته ، فاختلطت أحوالهم وتشتّتت أمورهم .
وقام كلّ عالم منهم إلى بلد يسكنه ويترأّس عليه ، فسقط هرمس إلى مصر وكان من أعلمهم وأعقلهم ، فملكها وعمرها ، وأظهر علمه فيها ، وبقي جلّ ذلك ببابل إلى خروج الإسكندر ، فهدم تلك العمائر ، وأخذ من العلم المنقوش فيها ، واستنسخ ما احتاج إليه من النجوم والطّبّ والطبائع ، وبعث بها إلى أرض مصر ، وبقيت أشياء بناحية الهند والصّين .
وكانت الفرس نسختها على عهد نبيّهم زرادشت وجاماسب حذرا منهم من فعلة الإسكندر ، وغلبته على بلادهم وإهلاك ما قدر عليه من كتبهم وعلومهم ، فدرس العلم حينئذ بالعراق ، وقلّ ، وصار الناس أصحاب عصبيّة وفرقة ، وصار لكلّ طائفة منهم ملك ، فسمّوا ملوك الطوائف .
ولم يزل أهل بابل مقهورين مغلوبين إلى أن ملك أردشير بن بابك من نسل ساسان ، فجمع أمرهم ، وأعلى كلمتهم ، فبعث إلى الصين والهند
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : في .
( 2 ) أ : ح . ن . : ونوبته .