لقب الطّبّ إلى لقب الفلسفة والحكيم ، فهزءوا به وقالوا له عليك بالمراهم والمسهلات وعلاج القروح والحمّيات ، فإنّه من شهد على نفسه بأنّه شاكّ في العالم أقديم هو أم محدث ، وفي المعاد أحقّ هو أم باطل ، وفي النّفس أجوهر هي أم عرض لمنخفض الدّرجة عن أن يسمّى حكيما ، فهذا هو كلام العامريّ .
ثم ذكر علماء السّير أنّه نشأ بعد هؤلاء جماعة سلّموا الأصول الصحيحة لمن تقدّمهم ، ثم اشتغلوا بتصفّح الجزئيات لتصحّ لهم صناعة ما ، فاقتصروا من النظر على تلك الآراء المحسوسة ، وأخذوا أكثر براهينهم عن الأوائل ، فهم وإن كانوا فاضلين ليس لهم قوة على تحقيق أصول صناعتهم أي مباديها مثل جالينوس وبطليموس وأمثالهم ، فكلّ واحد اشتغل بالتجربة وحكاية أصحاب التجارب ، واستعمل القياس بتسليم الأصول والمقدّمات التي بنى عليها ، وجالينوس أتعب نفسه حتى صنّف كتابا قيّما يعتقده ، واعترف بالجهل والتقصير والحيرة فيما أتعب الحكماء به أنفسهم ، حتى قال الإسكندر الأفروديسيّ في حقّه : إنّ جالينوس غرم ثمانين سنة من عمره حتى حصل على الإقرار بأنّه لا يعلم .
وأما في الفروع الطّبّيّة فلا كلام في تبريزه فيها ، ولم يبلغ الدرجة العالية من الحكمة . وأمّا أفلاطون وسقراط وفيثاغورس وغيرهم من الأوائل فإن كتبهم وكلامهم مملوء بالرموز والألغاز .
وكانوا يفعلون ذلك لثلاثة وجوه :
- أحدها الكراهة لئلّا يغوص على أسرار الحكمة أحد ممّن ليس لها بأهل فتصير عدّة له على اكتساب ضرب من القزازة .
- والثاني أن لا يتوانى العاشق لها في بذل العناية لاقتنائها وإن لحقته المشقّة في تحصيلها ، ويستصعبها الكسلان « 1 » لغموضها فيزدريها .
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : الإنسان .