وكان رحمه اللّه تعالى على ما بلغنا كثير الأكل والمباضعة محبا للجاه ، وكانت أخلاقه شرسة يؤذي بها المحصلين إذا بحثوا عنده وهو الذي يقول في وصف أخلاقه :
أشكو إلى اللّه من خلق يغيّرني * ويمحق النّور من عقلي ومن ديني
حرارة في مزاج القلب محكمة * تبدو فتنمو فتغويني فترديني
ويروى : أنه دخل عليه بعض أصحابه يوما فوجده باكيا حزينا فسأله عن ذلك . فقال : كنت أعتقد في بعض المسائل اعتقادا منذ مدّة ، وأزعم أنّ ذلك هو الصّواب ، وأن ما عداه خطأ حتّى وقع إليّ كلام بعض المحصّلين فيها فرأيت أنّ اعتقادي كان باطلا في هذه المدة ، مما يؤمنني أن تكون جميع علومي بهذه الصّفة .
وقال : كلّ علم يحصل بمجرّد البحث والجدال من غير سلوك قدسي وتجرّد ، وفي هذا حكمه ولا يمكن حصول اليقين بمجرّد الاقتصار عليه ، وحصول اليقين والطمأنينة للنّفس إنّما تكون بالكشف والذّوق .
فعليك يا أخي بالمسارعة للتّجرد والإخلاص إلى ذلك السبيل . وكان أكثر عمره مشغولا بكتبه للتّصانيف في كل فنّ ، حتى أنّه كان يصنّف في علوم لا يعرف حقائقها ، ويشهد بصحة هذه القضيّة تصنيفه للسّرّ المكتوم في السّحر والطلسمات والنّيرنجات وبعض خواص الفلك .
وأنا أجزم بأنّه كان خاليا من سرائر هذه العلوم . وأكثر الشّبه التي أوردها على الحكماء لأبي البركات اليهودي ، ومن تصرّفات ذهنه .
وهذا الذي ذكرناه من حقيقة أحواله ليس غرضنا القدح بل غرضنا تيقّن طريق الحقّ فإنّه وراء ما اشتغل به هو وأمثاله من الخائفين في الدّنيا المقتصرين على البحث الصّرف ، ومن كلامه الجيّد قوله : واللّه أنني أتأسف في