تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
المشائين التي هي عند حكماء الكشف والذّوق متزلزلة الأركان ، واهية البنيان ، وإلّا فإذا ظفر الإنسان بالأصول الصّحيحة من جهة الذّوق علم وجه حلّها بأقرب سعي . ولا تثبت أمثال تلك الشّبهات إلّا في النّفوس العاميّة الكدرة التي لم تستعد للفيض القدسيّ ولم تتهيّأ لنزول النور الإلهي الذي ينشرح به الصدر ويحيا به القلب ، ومن ذلك النّور تنحلّ الشّبهات وتزول الشكوك وتحصل الحقائق والمعارف ، وإلّا فمحال أن يحصل اليقين العلمي بمجرد المطالعة لتلك المؤلفات ، وترديد النّظر في تلك المصنّفات من غير تجريد وإخلاص إلى المنهج القوي والسلوك الحسن إلى الصّراط المستقيم ، وعلامة البعد عن اللّه تعالى وملائكته ولطائف ملكوته ثبوت تلك الهذيانات في القلوب ورسوخ تلك الشبهات في الصدور . وبالجملة فالرّجل لم يحصّل شيئا من سرائر الحكماء المتألّهين ، ولم ينل مكنون علوم العلماء الأقدمين بل اشتغل طول عمره بجمع أقاويل الناس وتفريعها وتهذيبها وايضاحها وإيجازها مرة وبسطها أخرى ، والتصرف فيها بالعبارات والتّغيرات من ورقة إلى ورقة ومن مسودة إلى أخرى طلبا للجاه الوهمي ومحبة للترؤس الخيالي من غير أن يظفر من الحكمة بطائل أو يرجع البحث إلى حاصل . وأعجب أحوال هذا الرّجل أنّه صنّف في الحكمة كتبا كثيرة توهم أنّه من الحكماء المبرّزين الّذين وصلوا إلى غايات المراتب ونهايات المطالب ، ولم يبلغ مرتبة أقلهم . ثم رجع وتبصّر مذهب أبي الحسن الأشعري المتكلم الذي لا يعرف أيّ طرفيه أطول لأنّه كان خاليا عن الحكمتين البحثيّة والذّوقيّة ، ولا يعرف ترتيب حد ولا يقيم برهانا بل هو شيخ مسكين متحيّر في مذاهبه الجاهليّة ، التي يخبط فيها خبط عشواء .
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 393 | شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري / ابو شويرب