واعلم أنّه وإن لم يظفر بالحكمة على جليّتها إلّا أنّه كان رحمه اللّه تعالى شديد الاستعداد قوي النّفس في استخراج اللطائف والفوائد من كلام الحكماء إلّا أنّ عيبه عدم التّجرّد والسلوك . لكن يحصل فراغه القلب ، وهذا أمر لا ينال إلّا بهذا ، فلا جرم ، لم يترق إلى مقاماتهم ولم يقف على أسرارهم ، وبعض شبهه صحيحة إلّا أنه في الأخير يعجز عن إتمامها لعدم الأصل الذي يبنى عليه البحث .
وسافر في طلب العلم إلى خراسان وإلى مراغة وانشغل بها على مجد الدين الجبلي مدة حتى حصل لنفسه استقلال التحصيل والفكر بنفسه ، ثم سافر إلى خدمة السلطان غياث الدين وأخيه شهاب الدين ، وكانا ملكين في بلاد الغور ، وأكثر تلك النواحي كراميّة مجسّمة فحظي عند غياث الدين وكان بواسطة صحبة فخر الدين ، ارتفع قليلا عن مذاهب الكرامية .
واتفق أن فخر الدين وعظ هناك يوما وتكلم بشيء ينافي مذاهبهم ، فهمّوا به فهرب واستجار بالسلطان ، فتحيّل على تخليصه ، ثم رحل من هناك إلى غزنة وأقام يدرس في بعض المساجد مدة حتى اتصل بعلاء الدين تكش خوارزم شاه ، وصار معلّما لولده محمّد حتى أفضى الملك إلى محمّد ، فصار له الجاه العريض والمال الكثير حتى أنّه كان يغلظ عليه في بعض الأوقات ويحتمله .
ثم رحل إلى هراة وبنى له السلطان هناك مدرسة وكان يدرّس بها إلى أن توفي رحمه اللّه تعالى في سنة ست وستمائة هجرية وكان عمره يومئذ ثلاثا وستين سنة ، ودفن في أسفل الجبل بهراة وأوصى أن يدفن ليلا خوفا من العامة .
وكان نسبه يرجع إلى أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه وتوفي ، وأسباب الدنيا عنده كاملة من مال وبنين وغلمان وجوار ، وأعتق بعضهم ، أو كلهم عند الموت ، واعطى كل واحد شيئا . وكان أبو بكر أكبر أولاده وهو الذي ورث منصبه في التّدريس والوعظ .
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 394
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٩٤