كان يعرف السيمياء ، وبعضهم يزعم أنّه متخيل ، وكلّ ذلك خرافات وجهل بمقامات إخوان التجريد ، بل هو وصل إلى غايات مقاماتهم . ولإخوان التّجريد مقام يقدرون فيه على إيجاد أيّ صورة أرادوا ، وإلى هذا المقام وصل أبو يزيد البسطامي والحسين بن منصور الحلّاج وغيرهما من اخوان التّجريد ، وكنت مدّة مؤمنا بهذا المقام حتى أعانني اللّه تعالى باليقين التام ، ولولا أنّه من الأسرار التي يجب كتمانها وإلّا ذكرت من حاله شيئا . وكان قدّس اللّه تعالى روحه كثير الجولان والطّوفان في البلدان شديد التّشوّق على تحصيل مشارك له في علومه ولم يحصل له .
قال في آخر المطارحات وهو ذا قد بلغ سنّي إلى قريب من ثلاثين سنة وأكثر عمري في الأسفار والاستخبار والتّفحّص عن مشارك مطّلع على العلوم ، ولم أجد من عنده خبر عن العلوم الشريفة ولا من يؤمن بها . فانظر إلى قوله وأكثر التّعجّب من ذلك . وكان رحمه اللّه تعالى غاية في التجريد نهاية في رفض الدنيا ، يحبّ المقام بديار بكر ، وفي بعض الأوقات يقيم بالشّام وفي بعضها في الرّوم .
وكان سبب قتله على ما بلغنا أنّه لمّا خرج من الروم إلى الشّام دخل إلى حلب وصاحبها يومئذ الملك الطاهر بن صلاح الدين يوسف صاحب مصر واليمن والشّام . وكان محبّا للشيخ يعتقد فيه ، وكان جمع من العلماء بحلب يجتمعون به ويسمعون كلامه . وكان يصرح في البحوث بعقائد الحكماء ويناضل عنها ويسفّه رأي مخالفيها ويناظرهم فيقطعهم في المجالس .
وانضمّ إلى ذلك ما كان يظهره من العجائب بقوّة روح القدس ، فاجتمعت كلمتهم على تكفيره وقتله حسدا ونسبوا إليه العظائم وقالوا : إنّه قد ادّعى النّبوّة وهو بريء من ذلك . فاللّه تعالى حسيب الحسّاد وحسبهم واحد والا منهم عظيم ، وحضّوا السلطان على قتله « 1 » فامتنع فكاتبوا « 2 » والده صلاح الدين وقالوا
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : الولاية عليه .
( 2 ) أ : ح . ن . : إلى مصر .