تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
من سلك سبيل اللّه عزّ وجلّ ، وراض نفسه بالأفكار المتوالية والمجاهدات المتتالية ، رافضا عن نفسه التشاغل بالعالم الظلماني ، طالبا بهمّته العالية مشاهدة العالم الرّوحاني ، فإذا استقر قراره وتهتّك بالسير الحثيث إلى معانيه المجرّدات أستاره حتى ظفر بمعرفة نفسه ، ونظر بعقله إلى ربّه ، ثم وقف بعد هذا على كلامه ، فيعلم حينئذ أنّه كان في المكاشفات الرّبانيّة آية والمشاهدات الروحانيّة نهاية . لا يعرف غوره إلّا الأقلّون ، ولا ينال شأوه إلّا الراسخون . وأما الحكمة البحثية فإنّه أحكم بنيانها وشيّد أركانها ، وعبّر عن المعاني الصحيحة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة وأتقنها إتقانا لا غاية وراءها لا سيّما في الكتاب المعروف بالمشارع والمطارحات ، فإنّه استوفى فيه بحوث المتقدمين والمتأخرين ، ونقض فيه أصول مذاهب المشّائين ، وشيّد فيه معتقد الحكماء الأقدمين . وأكثر تلك البحوث والمناقضات والأسئلة والإرادات من تصرّفات ذهنه ومكنون علمه ، وذلك يدلّك على قوته في الفنّ البحثي والعلم الرسمي . واعلم أنّ فهم كلامه ومعرفة أسراره مشكل جدا من لا يسلك طريقته ولا يتبع خلقه وعاداته لأنّه بنى حكمته على أصول كشفيّة وعلوم ذوقيّة ، فمن لم يحكم أصوله لا يعرف فروعه ، ومن لم يتجرّد عن الدنيا والآخرة لم يذق وبالجملة معرفة كلامه ؛ وجلّ كتبه ومرموزاته متوقف على معرفة النفس . وأكثر العلماء والحكماء لا خبر لهم بها إلّا في النّوادر ، يأتي في كلّ دهر واحد ، ولقد سافرت كثيرا وتفحّصت عن هذا النبأ العظيم عظيما ، فلم أجد من عنده خبر عن النفس فضلا عمّا فوقها من العوامل المجرّدة ، ولأجل هذا لمّا عجزوا عن فهم كلامه طعنوا فيه حتى أنّ جماعة من الحكماء المعاصرين لي من المشهورين بالفضل والتدبير عند العامّة زعموا أن حكمته طرقيّة ، وليت شعري إذا كان حكمته المبنيّة على الأصول الكشفيّة والقواعد الذّوقيّة طرقية فأحرى أن تكون حكمتهم المبنيّة على الأصول الوهميّة والمباني