تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
على حبل ذراعه كيف شاء آخذا باليد وبالجملة الأطناب في مدحه يغالب صفحة الشّمس ظهورا ويكاثر عدد القطر وفورا على أنّ الغالي آمن من تجنب الإفراط خائف من التّفريط قريب من التّقصير والتّعذير ، وبمعزل من الإطالة والتكثير ومع ذلك لا يفهمه ولا المقصود منه ، وآيس من نفسه . وقال : هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه ، فاتّفق أنّه كان يوما في سوق الورّاقين فعرض عليه دلّال كتابا ، فنادى عليه ، فردّه أبو عليّ عليه ردّ متبرّم معتقد أن لا فائدة في هذا العلم ، فقال له الدّلال : اشتره فإنّه رخيص بثلاثة دراهم ، وصاحبه محتاج إلى ثمنه ، فاشتراه فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أعراض كتاب ما بعد الطّبيعة ، قال : فرجعت إلى بيتي وقرأته فانحلّ لي غرض ذلك الكتاب بسبب أنّه كان لي محفوظا ، ففرحت بذلك وتصدّقت بشيء كثير على الفقراء ، شكرا للّه عزّ وجلّ . وكان ملك المشرق وخراسان وفي زمانه نوح بن منصور فعرض له مرض أعجز الأطباء ، وكان اشتهر بينهم في التّوفر على العلم والقراءة ، فسألوا نوحا إحضار أبي عليّ ، فحضر ، وشاركهم في معالجته فتوسّم بخدمته ، فصار أوّل حكيم توسّم بخدمة الملوك . وكان الحكماء قبل ذلك يتنزّهون عن ذلك ، ولا يقرّبون أبواب السّلاطين . وقال : فسأل أبو علي نوح بن منصور في الإذن في الدّخول إلى دار كتبه ، فأجيب إلى ذلك ، فرأى من الكتب ما لم يقرع أسماع النّاس اسمه ، فقرأها وأخذ فوائدها ، وعرف مرتبة كلّ رجل في علمه من المتقدّمين ، فاتفق إحراق تلك الدّار ، واحترقت الكتب بأسرها . وقال بعض خصماء أبي عليّ إنّه أحرق تلك الكتب ليظفر بتلك العلوم والنّفائس وينسبها إلى نفسه ، ويقطع انتساب تلك الفوائد عن أربابها ، واللّه أعلم بذلك . فلمّا بلغ أبو عليّ ثماني عشرة سنة من عمره فرغ من العلوم كلّها ، ولم يتجدّد بعدها شيء وكان في جواره رجل يقال له أبو الحسن