إن صار فيه في مدة قليلة عديم المثل « 1 » والقرين والنّظير ، وفضلاء الطّب يختلفون إليه ويقرءون عليه المعالجات المقتبسة من التّجربة ، وهو مع ذلك يختلف إلى إسماعيل الزّاهد في الفقه .
فلما بلغ اثنتي عشرة سنة وأكثر أقبل بعد ذلك سنة ونصفا على العلوم وأعاد قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة وفي هذه المدّة ما نام ليلة واحدة بطولها ، ولا اشتغل في النّهار بغير المطالعة ، وجمع بين يديه ظهورا من القراطيس وكلّ حجّة ينظر فيها يثبت مقدّماتها القياسيّة ويكتبها في تلك الظهور ورأى شرائط المقدّمات ، وفصل ما هو منتج « 2 » عقيم ، وإذا تحيّر في مسألة ما ظفر فيها بالحدّ الأوسط ، تردّد إلى الجامع وصلّى وابتهل إلى اللّه تعالى حتّى فتح اللّه عزّ وجلّ له ذلك ، وكان يعود كلّ ليلة إلى داره ، ويضع السّراجة ، ويشتغل بالقراءة والكتابة ، فإذا غلبه النّوم أو أكدره ضعف مزاج شرب قدحا من النبيذ .
وكان الحكماء المتقدّمون مثل أرسطو وأفلاطون وغيرهم زهادا . وأبو علي على غير سننهم وشعارهم . وكان مشغوفا بشرب الخمر واستفراغ القوى الشهوانية ، ثم اقتدى به في الفسق والانهماك من جاء بعده فأحكم جميع العلوم ووقف عليها بحسب الإمكان الإنساني ، وكلّ ما علمه في ذلك الوقت فهو كما علمه لم يزدد إلى آخر عمره حتّى فرغ من المنطق والرياضي ولم يبالغ في علم الرّياضي لأنّ من ذاق طعم حلاوة المعقولات يصون تصرّف فكره في الرّياضيّات إلّا فيما يتصوّره مرة واحدة ويتركه .
ثمّ أقبل على العلم الإلهي وقرأ ما بعد الطّبيعة وأعاد قراءته أربعين مرّة ، وصار له محفوظا . ما ذا يبلغ الوصف فيمن قد أشرف على الأشياء بمعرفتها ، وتفطّن حقائق حقيقتها ، وصارت الحكمة في قبضته يحطّمها كالذّلول المقيّد
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : فريد المثل .
( 2 ) أ : ح . ن . : مما هو .