تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
( بياض في الأصل ) « 1 » ما لي أراك يا أخي أيدك اللّه وإيّاي بتوفيق شديد السكون إلى هذه الدّنيا الزائلة والدّار الفانية ، كثير الميل إلى تربية هذا الجسد المظلم الكثيف الذي هو أجمح مركب وأخبث مسكن للنّفس ، سهل الانقياد لقوتيك الغضبية والشهوانية اللتين تحرك إحداهما إلى الشبعية والأخرى إلى البهيميّة . صعب القيادة عسير الإجابة لقوّتك العاقلة التي تؤويك جنّة الماوي ، وترقبك الدّرجة العليا لعلّك قد انخدعت بل اغتررت بمباشرة هذه اللّذات التي كلّها في الآلام وأيّ آلام . أما علمت أنّ اللذات الدنيوية كلّها في الحقيقة أكل الطيب ، وشرب العذب ، ولبس اللين ، وركوب الهملج ، وقهر العدوّ ، والتمتّع بالحسناء ، وهذه كلها في الحقيقة حاجات متعبة وخصوصا للعقلاء ، وضرورات مزعجة للمتيقّظين من العلماء ، لأنّ الأكل والشرب إنّما هو لدفع ألم الجوع والعطش واللّبس لدفع ألم الحرّ والبرد ، والركوب لدفع ألم المشي ، وقهر العدو ، ولطلب التّشفي من ألم الغيظ ، والنكاح إنّما هو طلب لذة بدنيّة بمباشرة عضو حقّها أن يستتر وتستحي عن كشفه ، وخصوصا من الرجال العقلاء الذين يكرهون أن يكشفوا عن سواعدهم . مثلا ، ثم في تلك الحال يحتاج إلى كشف عضوه المستتر ويضطر إلى كشف مثله من المفعول فما أخسّ هذه اللّذة عند العاقل المتيقّظ ، وما أهونها عليه ، وما أقبحها عنده ، وما أفضحها لديه ثمّ الحاجة غير طيّبة ولذيذة في ذاتها ، وهذه الأحوال كما ترى حاجات ، والحاجات آلام ولو كانت فيها فضيلة لما استغنت الملائكة المكرّمون المقرّبون عنها ولا ترهب منها ، وكلّ اللذة في أن لا يؤلم جوع « 2 » ولا يؤذي حر ولا برد ولا ينغص العيش حرد ولا غضب ، ولقد صحبت من إذا جاع صبر طويلا ، ثم إذا قدّم إليه الطعام بكى ثم أكل . وكان يقول : اللّهمّ أنت خلقتني وأنت أحوجتني وبالخطاب أكرمتني ، فهب
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : وهذه رسالة له . ( 2 ) أ : ح . ن . : ولا يؤدي عطش ولا يتعب مشي .