تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
سمعت أبا إسحاق الصابي الكاتب يقول لأبي الخطاب : اعلم « 1 » المذاهب والمقالات والنحل والآراء وجميع ما اختلف الناس فيه وعليه كدائرة في العقل فمتى فرض فيها قول وجعل مبدأ الأقوال انتهى منه إلى آخر ما يمكن أن يقال فليس من قول إلّا وقد قيل أو يقال ، وليس من فعل إلا وقد فعل أو سيفعل ، وليس من شيء بعلم إلّا وقد علم أو يعلم . وهكذا في الظنّ والرّأي وغير ذلك ، وهذا عام في كلّ شيء ، وذلك أنّك لا تشير إلى رأي وتخيّلة إلّا أمكنك أن تظنّ به كلّ ما ظنّ ويظنّ . وتقول كلّ ما قيل ويقال وإنما يضيق نجم أحدنا وينفتح مشرب الآخر ، لأنّ الخاطر يسنح مرة ولا يسنح مرة ، والقلب يتسع مرة ولا يتّسع مرّة ، واللسان ينطلق مرة ولا ينطلق أخرى . فقال أبو الخطاب : هل للخواطر والألفاظ والآراء والمقالات نسبة إلى المزاج والطّبيعة والهواء وإلى العناصر بالجملة ؟ فقال : نعم ، لها نسبة إلى المزاج والطينة والهواء ، وإلى العناصر بالجملة ، فقال : نعم لها نسبة إلى المزاج ، لها نسبة قوية وعلاقة شديدة ورباط متين إلى هذه الأمور التي تبطن فيه أو تطيّف به ، أو تطلّ عليه ، ولا سبيل مع ذلك إلى اتفاق النّاس في حال من الأحوال ، ولا سبيل من السّبل ولو أمكن ذلك لوجد . ألا ترى أنّه لا سبيل إلى أن يكون النّاس كلّهم طوال القدود أو قصارها ، أو ضخام الرؤوس أو صغارها ، أو فصحاء الألسنة أو لكنها ، وعلى مذهب واحد ومقالة واحدة . كيف يكون لهذا أو يظنّ ، والطّبيعة إنّما تعطي صورتها لكل شيء بحسب قبوله وتهيّئه ومؤاتاته ، فليس الزائد من عطية الطّبيعة ، ولكن على قدر قبوله ، وصلابة الحجر من عطية الطّبيعة ، ولكن على قدره ، فاختلاف الصّور إنّما نشأ من جهة اختلاف المواد ، وهذا أصل لا أصل له وعلّة لا علّة لها ، لأنّه لم
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : أنّ .