تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
به ويأخذه بالطّريق المؤلفة والألحان المختلفة ، لكان يظهر آية ، ويصير فتنة فإنّه عجيب الطّبع وبديع الفنّ . قال أبو سليمان : حدثوني عن الطبيعة ، لم احتاجت إلى الصناعة والصناعة محاكية للطبيعة « 1 » وتروم اللحاق بها والقرب منها وهي دونها وهذا رأي صحيح والصناعة إنّما حكت الطبيعة وتبعت رسمها ، وقضت أثرها الانحطاط رتبتها عنها ، وقد زعمت أنّ هذا الصبي لم تكفه الطبيعة بل احتاجت إلى الصناعة ليكون الكمال مستفادا بها ومأخوذا من جهتها ، والغاية مبلوغة بمعونتها ، وقلنا له : يوم ندري وإنّها لمسألة ، قال : ففكروا ، فقلنا له : لو مننت بالبيان ونشطت لنشر الفائدة ، كان ذلك محسوبا في بعض أياديك وعود فضائلك ، فقال : إنّ الطبيعة إنّما احتاجت إلى الصناعة في هذا المكان لأنّ الصناعة هنا تستملي من النفس والعقل وتملي على الطبيعة ، وقد صحّ أنّ الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس والعقل وأنّها تعشق النفس وتقبل آثارها وتمتثل أمرها ، وتكتب بإملائها ، والموسيقى حاصل للنفس وموجود فيها على نوع لطيف وصنف شريف . فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة ومادة مستجيبة وقريحة مؤاتية وآلة منقادة أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوسا مؤنقا وتأليفا معجبا ، وأعطاها صورة معشوقة وحلية مرموقة ، وقوّته في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة ، فمن هاهنا احتاجت الطبيعة إلى الصناعة لأنّها وصلت إلى كمالها من جهة النفس الناطقة بوساطة الصناعة الحادقة التي من شأنها استملاء ما ليس لها وإملاء ما يحصل فيها استكمالا بما تأخذ وإكمالا لما يعطى ، فحينئذ شكره البخاري وأثنى عليه . فقال : هدايتكم اقتبست وبحجركم قدحت ، وإلى ضوء ناركم عشوت . وإذا صفا ضمير الصّديق للصّديق أضاء الحق بينهما واشتمل الخير عليهما ، وصار كلّ واحد منهما رداء لصاحبه عونا على قصده ، وسببا قويا في
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : هي .
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 358 | شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري / ابو شويرب