حكى أبو سليمان ببغداد سنة سبعين وثلاثمائة أنّه رأى يحيى بن عدي في المنام ، فقال : سعدت يا أبا سليمان إني رأيت أرسطو في المنام ، فقلت له : يا حكيم العالم بم صرت في حالك هذه ؟ فقال : بإرادة الخير في السرّ والعلانية للصّالح والطالح في الرّضا والغضب دائما . فقلت له : بم نلت هذا ؟ قال : بمعرفة الإله تعالى الذي هو سبب كلّ خير ، وكنت في العلّة التي ذكرتها ، أسمع أشياء في نعت الإله تعالى ، وكانت تروقني ويشتدّ بها إعجابي ، وكنت أرى أنّي قد ثقفتها « 1 » ووعيتها ، وأردت أنّ اكتبها فأقول : كيف أكتب ويدي لا تطاوعني ضعفا ثم لا حاجة إلى كتابتها ، وقد عرفتها وكنت أنمّق ذلك بإعادتي في تلك الحال التي كانت تعاقب ذلك الذهول ، والعرق بشرارة العلّة واحتدادها ، فلما أمللت فقدت ذلك كلّه ، وبقي معي شيء واحد ، وهو أنّه قيل لي لن يذوق أحد حلاوة الفلسفة الأولى ، وإن كان راضيا عن نفسه بفضله رضيا عند إخوانه بأدبه حتى يسمع باللّفظ ماله حدّ ويحد بالعقل ما لا حدّ له ، وكنت أرى أنّ الذي سمعته كان أبسط من هذا وأشدّ تنقيحا ، إلا أني حصّلت ما كتبته لك وسمعت قائلا يقول : طيب يا هذا ، بيتك الذي أنت فيه ساكن حتى تنعم ، ولا يجاورنّك فيه من لا تأمن غائلته حتى تسلم ، وسمعت أيضا ما أنهاك عن مبادئك واغفلك عن آخر حالك ، وما أجلبك للفساد بين هذا وذلك . وخرج أبو سليمان يوما ببغداد إلى الصحراء في الربيع للتّفرج والمؤانسة مع أصحابه ومعهم صبيّ دون البلوغ ، جهم الوجهة ، بغيض المحيّا ، إلّا أنّ صوته في غاية الحسن ، وأطرافه حلوة ومعه جماعة « 2 » . شتى فتيان المحلة كلهم أدباء ، فلما تنفّس الوقت أخذ الصبي في فنّه وبلغ أقصى ما عنده فترنّح أصحابه وطربوا ، فقال أبو زكرياء الضّيمري :
قلت لصاحب لي : أما ترى ما يعمل شجى هذا الصوت ، وندا هذا الحلق ، وطيب هذا اللحن ، وتفنّن هذا النغم ، فقال : لو كان لهذا من يخرجه ويعنى
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : فهمتها .
( 2 ) أ : ح . ن . : من .