تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
عن المقولات العشر ، قال : وهذا كذا لأنّ وجود هذه الأشياء في غاية اللطف والعلو والشرف فمن أي وجه والجلالة فلم تحطّ بها مقولة ولم يجد لها رسم ، فقال له البخاري : فمن أي وجه شعرنا بها ؟ قال أومأ إليها العقل إيماء ، والآن هو نقطة ولكن في الزمان ، والوحدة نقطة ولكن في العدد ، والنقطة والآن « 1 » . ولكن لا في موضع ولا تحت شيء معروف . وذكر ذلك الحكيم في بعض تصانيفه عن أرسطو أنّه قال : إني ربّما خلوت بنفسي كثيرا وخلعت بدني فصرت كأنّي جوهر مجرد بلا بدن فأكون داخلا في ذاتي وخارجا عن سائر الأشياء سواي فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا ، فأكون خارجا وداخلا من سائر الأشياء فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والسّناء ، وأبقى متعجبا باهتا فأعلم عند ذلك إلى جزء صغير من أجزاء العالم الأعلى الشريف وأني ذو حياة فعاله فلمّا بقيت كذلك ترقيت بذهني من ذلك العالم إلى العوالم العليّة الإلهيّة فصرت كأنّي موضوع فيها معلّق بها فأكون فوق العالم العقلي ، فعند ذلك يلمع لي من النور والبهاء فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف ، وأرى هنالك من البهاء والنور ما لا يقدر الألسن على وصفه والاسماع على قبول نعته فإذا استغرقني الشأن وبلغت طاقتي وغلبني ذلك النور والبهاء ، ولم أقدر على احتماله هبطت من العقل إلى عالم الفكرة ، وحجبت الفكرة عني ذلك النور فأقضي عجبا أني كيف انحدرت من هذا العالم ، وعجبت أني كيف رأيت نفسي ممتلئة نورا وهي مع البدن كهيئتها ، فعند ذلك تذكّرت قول أخي أرقليرطوس حيث أمر بالطلب والبحث عن جوهر النفس الشريف بالصعود إلى عالم العقل وهذا الكلام له طويل ، وهو يروم أن يكتب هذه المقالة « 2 » اللطيفة فيمنعه العجز الكتابي عن إدراك ما عنده . شعر :
الجوع يدفع بالرّغيف اليابس * فعلام أكثر حسرتي ووسواسي « 3 »
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : آن . ( 2 ) أ : ح . ن . : منها . ( 3 ) « كذا » في « أ » ، والصواب : وساوسي ( كما يتطلبه سياق القافية والوزن ) .
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 354 | شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري / ابو شويرب