سمع هذا من أخبار المعتضد لما طاف في البستان ، وقد قال : جعل يده بيد ثابت بن قرّة الحراني إذ جذبها دفعة ، وخلاها ، فقال ثابت : ما بدا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : كانت يدي فوق يدك والعلم يعلو ولا يعلى [ عليه ] .
ولما استبقاه السلطان الماضي بخاصّة أمره كان مفاوضه فيما يسنح بخاطره من أمر السّماء والنجوم . فيحكى أنّه ورد عليه رسول من أقصى بلاد التّرك وحدّث بين يديه بما شاهد فيما وراء البحر نحو القطب الجنوبي من دور الشمس عليه ظاهرة في كلّ دورها فوق « 1 » بحيث يطل اللّيل فيسارع على عادته في التّشدّد في الدين إلى نسبة الرّجل إلى الإلحاد والقرامطة على براءة أولئك القوم عن هذه الآفات ، حتى قال أبو نصر بن مسكان : إن هذا لا يذكر ذلك على رأي يراه ، ولكنّه عن مشاهدة تحكيه وتلا قوله تعالى :
وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
فسأل أبا الرّيحان عنه فأخذ يصف له ذلك على وجه الاختصار ويقرره على طريق الإقناع .
وكان السلطان محمود في بعض الأوقات يحسن الإصغاء ويبذل الإنصاف فقبل ذلك وانقطع الحديث بينه وبين « 2 » السلطان . فأما السلطان مسعود فقد كان له إقبال على علوم النجوم ومحبّة بحقائق العلوم . فخاوضه يوما في هذه المسألة وهو سبب اختلاف الليل والنهار في الأرض . وأحبّ أن يتضح له برهان ما لم يتضح له من ذلك بعيان ، فقال له أبو الريحان : أنت المنفرد اليوم بامتلاك الخافقين ، والمستحقّ بالحقيقة اسم ملك الأرض ، فاخلق بهذه المرتبة إيثار الإطلاق على مجاري الأمر وتصاريف أحوال الليل والنهار ومقدارها في عامرها ، وصنّف له ذلك كتابا في اعتبار الليل والنهار بطرق تبعد عن موضوعات المنجّمين وتقرب بصورة من فهم من لم يرتض بها ولم يعتدّ بها ولم يعتدها .
هامش
( 1 ) أ : ح . ن . : الأرض .
( 2 ) أ : ح . ن . : ابنه .