وتصحيح الاعتقاد والسّعي فيما أثمر وأجدى ، وللإعراض عن كل ما شغل البال وألهى وأثار الشّهوة ليبلغ النّفس غايتها ، وتستعدّ في عاقبتها ، ولا يكون لها عكس في هذا العالم ، ولا تزدد على ما قد خوّف من ذلك كثير منهم .
وله رسالة في أنّ علم الحكمة أقوى الدّواعي إلى متابعة الشّرع منها ، من زعم أنّ الحكمة تخالف الشريعة فهي مفسدة لها مقدمة غير كليّة ، وتقريرها أنّ الحكمة مخالفة للشريعة . وكل ما هو مخالف للشيء مفسد له ، والكبرى غير كليّة فإنّ الحلاوة تخالف البياض ولا تفسده ، والصورة تخالف المادة ولا تفسدها ، وإذا كانت غير كليّة فلا تنتج القياس ، ومن قال إنّ الناظر في المنطق مستخف بالشريعة ، فإنّ ذلك القائل طاعن في الشريعة لأنّ كلامه في قوة قول من قال ، إن الشريعة لا تثبت عند البحث والتحقيق ومنزلته منزلة رجل حامل الدراهم المبهرجة التي يهرب معها من النقاد ، ويأنس بمن ليس من أهل المعرفة ، فمن قال : إنّ الحكمة تفسد الشريعة فهو الطاعن في الشريعة لا المنطقي الذي يميز بين الصدق والكذب .
وقال : قرأت لفيلسوف قبل سقراط قولا له : ارتفاع موضع العقل على سائر الحسنات التي هو المدبر لها كارتفاع موضع العينين على سائر الأوصال التي يسير بها ويهتدي بهدايتها .
وقال أبو علي : قال سقراطيس لتلميذ له : أقبل على إصلاح ما فيك من الفساد بمعونة ما فيك من الصلاح . قال أبو علي : إنّما هذا إلى تقسيم الإنسان بين الطبيعة والنفس . فما فيه من الصلاح ، فمن ناحية نفسه ، وما فيه من الفساد فمن ناحية طبيعته . فحث بكلامه هذا على الاستعانة بالنطق الذي للنّفس على السفه الذي للطبيعة حتى ينمحق ويبقى أثره ويكون كأنّه لم يوجد . وكما قد تكون نفس بعض الناس لغلبة العقل وأفعاله فيه كأنّه بلا طبيعة ، والرياضة موضوعة لهذه الغاية ، والاجتهاد واقع من أجل هذه الآفة .
وقال أبو علي : قال حنين وثابت بن قرة : إنّ النقطة والآن والوحدة بارزة
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 353
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٥٣