بذلك الفيض يرنو العقل مخترقا * أستار غيب تجافى دونه البصر
وتلحظ المرء غايات الأمور به * من قبل مذهبه والغيب مستقر
يا ليت شعري إذا الأبدان أضمرها * يد البلى وحواها الترب والمدر
هل للنفوس النقل نحو عالمها * كما يلعب نحو المركز الحجر
ليحصل الفوز في دار الخلود لها * وتنتفي دونها الآفات والغبر
أم تضمحلّ كما قد بان هيكلها * فلا يحسّ له ورد وما صدر
تلوي الشفاه بها حتّى يعينها * بحيث تبحث عن أولادها البقر
هذا الذي صدئت منه خواطرنا * فليس يحلو صداها العلم والخبر
تفرّد اللّه تعالى بالعلم الخفي * ولم يشركه في سره جن ولا بشر
فليس يعثو إلى نار الهوى أحد * إلّا بتوفيقه إن كان يعتبر
ثم قال : هذه بلابل الصدور وحسرات الأرواح ووساوس الكرام من هذا السّواد العامر للأرض للآفات على مرّ الزمان القديم والأعصر الأول ، وكل تعلّق في نصابه وبحفرة مكره إلى مدى فطره وتتطاول بحوله وطاقته إلى ما يناله بسكونه وحركته واستطاعته ولا دواء لهذه ولغيره أنجع من صنع اللّه الذي من جاد عليه به صحا ومن فاته ذلك منه سكر وذهل ، وهب اللّه تعالى لنا من العقل ما نعرف به أنفسنا ومن الأدب ما نتعاشر به بيننا ومن الكفاية ما نغني به عن امامنا وكرمائنا ، ومن الشكر ما نستحقّ المزيد من ربّنا ، ومن الصبر ما نتجرّع به مرارة حياتنا بمنّه وكرمه .
98 - إبراهيم بن عدي ( صنويحي ) « 1 »
كان أخصّ خواص أبي نصر الفارابي وملازما له وله مصنّفات كثيرة .
قال في بعضها : التقسيم هبوط والتحليل صعود ، والتقسيم والتحليل خادمان للحدّ والبرهان ، فخدمة التقسيم تبكيت الوسائط ، وخدمة التحليل
هامش
( 1 ) البيهقي ، ص : 109 : صنو يحيى بن عدي .