تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
علمنا بكساده عليك وسقوط متعاطيه عندك يمنعنا عن ركوب سنامه وامتطاء ظهره . فقال الملك : نهيت أبا سليمان عن شيء قليل فأتيت أنت بما أوفى عليه ، واللّه ما أردت بما قلت إلّا حسم ضراوة النفس على هذه الأشياء التي إذا وصلت إلى القلب عشّشت وأفرخت وصارت بصاحبها إلى الفتنة لأنّ الإنسان عاشق نفسه ، وكيف لا تعشق وهو يجد بها كلّ لذّة ويقضي لها كلّ وطر ويصل لها كلّ هوى وبهذا العشق واصلت النفس البدن وبه أطاع البدن النفس ولولا هذا ما ائتلفت المتعاديات فيه ، وما اصطلحت المتنافرات له ، وأنّ أمرا يورث في أصل الخلقة بالطينة والصورة والشكل والهيئة ثم يمنى بالمشاكلة والعادة والزّيادة ، ثم يستحكم بالهوى والميل والمحبّة ، راسخ الأصل ممتدّ الفرع ، عريض الفضاء ضليل الظل ، وإنّما جئنا على التماس الحكمة وأكرهنا على أحكام الشريعة لنعدل بأنفسنا بالغلط فيها ولا نمكّن غيرنا من الجناية عليها بالخداع لها ، ونعود إلى كلامنا الأوّل فنقول من عدم شرف النفس لم ينفعه شرف الحكمة ، لأن الحكمة لا تقلب الحمار إنسانا ، ولا تجعل الشيطان ملكا ، ولكنها فتنة للنّفس وأريحية للروح ، وطمأنينة للقلب ، وأنس في الوحدة ، وطريق إلى الرّشد ، وسد بين الإنسان والغي . وكتب الملك : كتب قيصر إلى كسرى بم انتظمت مملكتك واستقامت رعيتك ؟ فقال : بثماني خصال : لم أهزل في أمر ولا نهي ، ولا أخلفت وعدا ولا وعيدا ، وعاقبت للحزم لا للحقد ، ووليت العناء لا للهوى ، فاشتملت قلوب الرّعيّة من غير كره ، وسهّلت الأذن من غير ضعف ، وعممت بالقوّة ، وحسمت الفضول ، فلمّا قرأه قال : هذا يجب أن يكتب بالذّهب . وقال أبو سليمان : يخرج منه كتاب في علم السياسة « 1 » .
هامش
( 1 ) ( أ ) أ : ح . ن . وقال الملك : علل النفس ولا تضلّلها ، فإن تعليلها يعج عليها : وتضليلها يحجب عنها ، وقال : الشريعة تنطوي على تنبيه نفس فاضلة : وجد نفس قابلة ، وتأديب -