تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
النفس فإنّه يفضي إلى بقائها ، وأمّا شرف الحكمة فإنّه يوضح السبيل إلى طلب هذا البقاء ، وأمّا شرف الإباء وهو أحسن الثلاثة فإنّه يزيد في قدر صاحبه زيادة تفسده في باطن حاله بالكبر وتصلحه في ظاهر حاله بالتّوقر وهذا الشرف الأخير بالاصطلاح والعادة ، وأمّا الشرف الأوسط فبالاجتهاد والاكتساب ، وأمّا الأول فهو بالطبيعة أي بالواجب لأنّ شرف النفس لا يدخله الإصلاح ولا يحدث بالاكتساب وإنّما يظهر ما هو واجب بالاكتساب . قال : فقلت ليهنك أيّها الملك فقد جمع اللّه تعالى لك هذا كله فأنت البائن بالفضل والفرد بالكمال ، والمشار إليه في العلم . فقال : يا أبا سليمان فإنّي لا أواخذك بأن تغلط في وصفك ولكن أواخذك بأن تغلطني في وصفي بوصفك ويكفي للإنسان أن يكون مغرورا من نفسه ، معتوبا بفضله ، ساهيا عن رشده وليس يحتاج إلى أن يكون صاحبه خائفا عليه بجميل الثّناء خادعا له بزخرف القول . وقال أبو سليمان فحصرت عند كلامه هيبة له فانتدب أبو تمام النيسابوري فقال : أيّها الملك إنّا وإن انتهينا عمّا تنهانا عنه طاعة لك وامتثالا لرسمك وطلبا للمكان عندك ، فإنّا ننطوي من إجلالك وتعظيمك ومعرفة ما وهب اللّه لك ولأوليائك ورعيتك بك على ما لا يفسره بيان ولا يشرحه وصف ولا يضمره فؤاد ولا يلمّ به وهم ، ولو استعملنا الخطابة في نشر فضائلك على ما أوضحه أرسطو لكنّا عند بلوغ الغاية والوقوف على النهاية أعنى بكما ، وليس إذا عجزنا عن هذه القاصية يحسن بنا أن نسكت عن تلك الدّانية ، دعنا أيّها الملك حتى نتلذّذ بوصفك ونشكر نعم اللّه علينا بك فقد أصبحت بلا ضد مطاول ولا عدو مناضل ، وأوضحت مناهج الحكمة بعد دروسها ، ودعوت الناس إليها بعد نفورهم منها وجمعت حولك أبناءها وطلّابها ثم غمرتهم بإحسانك وطولك معينا على اقتباسها ، واللّه ما حملني وأبا سليمان على ما قلنا تملق ولا خداع لأنّ هذا ليس من هدينا وسيرتنا ، ولو كان ذلك فينا لكان