ودهر ينثر الأعمار نثرا * كما للغصن بالورق انتثار
ودنيا كلّما وضعت جنينا * غداه من نوائبها ظوار
هي العشواء ما خبطت هشيما * هي العجماء ما جرحت جبار
فمن يوم بلا أمس ليوم * بغير غد إليه بنا يسار
ومن نفسين في أخذ وردّ * لروح المرء في الجسم انتشار
فكم من بعد ما ألفت نفوس * جسوما عن مجاثمها تطار
ألم تك بالجوارح آنسات * فلم بالقرب عادلها نفار
فإن يك آدم أشقى بنيه * بذنب ماله منه اعتذار
ولم ينفعه بالأسماء علم * وما نفع السجود ولا الجوار
فأخرج ثم أهبط ثم أودي * فترب السّافيات له شعار
فأدركه بعلم اللّه فيه * من الكلمات للذّنب اغتفار
ولكن بعد غفران وعفو * يغيّر ما تلا ليلا نهار
لقد بلغ العدوّ بنا مناه * وحلّ بآدم وبنا الصغار
وتهنا ضائعين كقوم موسى * ولا عجل أضلّ ولا خوار
فيا لك أكلة ما زال منها * علينا نقمة وعليه عار
نعاقب في الظهور وما ولدنا * ويذبح في حشا الأمّ الحوار
وننتظر الرّزايا والبلايا * وبعد فبالوعيد لنا انتظار
ونخرج كارهين كما دخلنا * خروج الضبّ اخرجه الوجار
فما ذا الامتنان على وجود * لغير الموجدين به الخيار
وكانت أنعما لو أنّ كونا * نخيّر قبله أو نستشار
أهذا الدّاء ليس له دواء * وهذا الكسر ليس له انجبار
تحيّر فيه كلّ دقيق فهم * وليس لعمق جرحهم انسبار
إذا التّكوير غال الشمس عنّا * وغال راكب اللّيل انتشار
وبدّلنا بهذي الأرض أرضا * وطوّح بالسّماوات انفطار
وأذهلت المواضع عن بنيها * لحيرتها وعطّلت العشار
تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 332
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٣٢