تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الحكماء قبل ظهور الإسلام وبعده « نزهة الأرواح وروضة الأفراح » — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
انتقل في آخر عمره إلى بعض متنزهات نيسابور بقرية ، ولزم مكانه ، واختار الانزواء ، مدخل بعض الناس عليه ، وبين يديه أطباق من الفواكه ، فقال له : أنّه لا فرق عندي بين هذه الأطباق والفواكه ، فإنّ الفواكه تضرني ، فقنعت منها بالرّائحة ، وبطيب الهواء ، فلا أشتهي تناول هذه الفواكه ، وأرحت نفسي منها ودفع مضارها فإنّ المضرّة ربما تنتهي إلى حد لا يدفع . وكان حسن المعيشة فأصاب عميد خراسان محمّد بن منصور قولنج أعيا دواؤه كل طبيب ، فبعث إليه مركوبه وغلمانه وكلفه المصير إليه ، والشمس في أوّل درجة من السرطان ، وبين القرية وبين نيسابور اثنا عشر فرسخا ، فآذاه الحرّ وسرعة الحركة وجماح ذلك المركب والعطش ، فقال لمن معه من تلامذته : نجا عميد خراسان ، وهلكت أنا ، وكان كما قال . ثم عالجه فصحّ ومرض أبو القاسم وسقطت قوّته وقد نيف على الثمانين وقضى نحبه . وقيل إنّ السلطان بعث إليه خواصّه ودعاه إلى خدمته . فقال : القنوع بما عنده لا يصلح لخدمة السلطان ، من أكره على الخدمة لا ينفع بخدمته كالبازي الذي يكره على الصيد . وبعث إليه سلطان غزنة إبراهيم مالا عظيما مع المحفة والمراكب ، ودعاه إلى حضرته بالطائف . فقال : السلطان يطلبني لعلمي ، فأنفق عليّ ماله لأنفق عليه علمي ، وهذا بيع وشراء ، والعلم لا يشترى ولا يباع ، وما لي حاجة إلى قبول تلك الأموال ، وإفاضة علمي على أهل بلدتي أولى ، فأنا أدعو للسلطان بالخير وأريح نفسي من رقّ المنّة . ومن كلامه : الطبيب الحقيقي من عالج بالفضائل نفسه ورأى مضرته في الرذائل ثم يهبط بعد ذلك إلى معالجة الأجسام ، فمن لا يهبط من معالجة النفس إلى معالجة الجسد فهو أسفل السافلين . وقيل : إنّه أدرك أبا علي بن سينا واستفاد منه .